كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

وجّه أحد القائمين على التعليم الديني إلى الأطفال السؤال التالي، بعد أن شرح لهم ما فعله الله في قصة التكوين التوراتية: "لماذا برأيكم خلق الله المرأة بعد الرجل؟" فرفعت واحدة من الطفلات يدها وقالت: "أعتقد أنه، بعد أن خلق الله الرجل، فكّر في نفسه قائلاً: "إذا حاولتُ مرّة ثانية، فقد أنجح في ذلك أكثر مني في المرّة الأولى" وهكذا خلق المرأة". 
إذا أردنا الكلام عن المرأة وموقعها ودورها وفرادتها... من المنظار المسيحيّ فلابدّ لنا من العودة إلى لاهوت الخلق. كيف خلق الله الانسان؟ وبماذا ميّزه عن سائر المخلوقات؟
تؤمن المسيحيّة إيماناً راسخاً بأنّ الانسان مخلوق بعناية خاصّة من الله. فقد قال الله عند خلق الإنسان: "وقال الله لنصنع الإنسان على صورتنا ومثالنا" (تك1: 26)، بينما تروي الرواية اللاهوتيّة الواردة في سفر التكوين أنّ سائر المخلوقات أتت إلى الوجود بكلمة من الله: "ليكن ... فكان". أمّا الإنسان فقد عمل على خلقه بنفسه "وجبل الربّ الإله الإنسان تراباً من الأرض ونفخ فيه نسمة حياة، فصار الإنسان نفساً حيّة" (تك2: 7). 
الاختلاف الثاني هو أنّ الانسان مخلوق على صورة الله. أي فيه نَفَس إلهي في تكوينه. هذه الصورة الإلهيّة يجب أن تنمو في الإنسان حتّى يصل إلى ملء قامة الله. 
ما يعنينا في هذه المداخلة أنّ الرجل والمرأة يحملان الصورة الإلهيّة ذاتها ولا يتميّزان في هذا الحقل أبداً. فمبدأ المساواة الكاملة بينهما يستند إلى أصلهما الذي يعود إلى الله. "فقال آدم هذه المرأة عظم من عظامي ولحم من لحمي" (تك2: 22). فالرجل كائن إنسانيّ يحمل في داخله صورة الله، والمرأة كائن إنسانيّ يحمل الصورة الإلهيّة ذاتها. 
لماذا التمييز قائم إذاً بين الرجل والمرأة في معظم المجتمعات وحتّى المسيحية منها؟ لماذا تُعطى السيادة للرجل والتابعيّة للمرأة؟ يستدعي الجواب العودة إلى علم الاجتماع للبحث في أسباب نشوء المجتمع الذكوري، وهذا خارج إطار هذا المقال.
تحمل النصوص المقدّسة كلام الله المعطى للبشر ضمن حضارتهم زمن كتابة الوحي. هذا يستدعي من المؤمنين مجهوداً للتفريق بين كلمة الله والمركبة التي تحملها. ونقصد بالمركبة: الوجه البشري في تبليغ الوحي (اللغة، الأسلوب الأدبي، خبرات الشعب المؤمن، الأمثلة المستخدمة، المفاهيم الاجتماعية لذلك الزمان، المستوى الأخلاقي السائد....إلخ).
فالمسيحيّون يؤمنون بأنّ الله قد أوحى للبشرية بما أراد إيصاله إليها من أجل خلاصها. بلّغ الله وحيه بواسطة الأنبياء الذين حملّهم رسالته تاركاً لهم حريّة اختيار الأسلوب المناسب لإفهام السامعين كلمته الإلهيّة. فالوحي هو مؤازرة إلهيّة إنسانيّة. قذف الله رسالته في نفس النبي، وبلّغه الرسالة بالشكل الذي يناسب فهم السامعين. بكلام آخر، استخدم الأنبياء اللغة والأدب والمفاهيم القائمة، أي معطيات الحضارة في زمنهم ليبلّغوا الكلمة الإلهيّة. 
كثيراً ما أٌعطيت النصوص المقدّسة تفاسير تأويليّة تستند إلى خلفيةِ تقاليد المجتمع ومفاهيمه التي تتعارض جذرياً مع المفاهيم الإلهيّة التي تحملها هذه النصوص. نهج تفسيريّ كهذا، كثيراً ما أعطى، وما يزال، الذريعة لتثبيت المفاهيم القائمة بدل اكتشاف المفهوم الإلهي الأصيل. وكثيراً ما ظُلمت المرأة، وما تزال بسبب تفاسير خاطئة وناقصة كهذه. وهذا ما يدعونا إلى طهارة كبيرة وعلم غزير من أجل تفسير النصوص المقدّسة تفسيراً يُظهر مشيئة الله وتعليمه، لا إلباسه مشيئتنا ومفاهيمنا.
يستند وضع المرأة ومقامها مسيحياً إلى الإنجيل المقدّس، وخاصة إلى موقف الربّ يسوع المسيح منها. واضح في الإنجيل أن الرب لم يقدّم تعليماً مباشراً بخصوص المرأة وطبيعتها ومكانتها وعلاقتها بالرجل. إنّما نستطيع أن نستشفّ موقفه منها بوضوح من خلال تعاليمه عن الطلاق الشهوة وتعاطيه معها في مناسبات وأوقات كثيرة.
فعندما سُئل إن كان "يحلّ لأحد أن يطلّق امرأته لأيّة علّة كانت" (مت19: 3) أجاب "أما قرأتم أنّ الخالق منذ البدء جعلهما ذكراً وأنثى وقال: لذلك يترك الرجل أباه وأمه، ويلزم امرأته فيصير الاثنان جسداً واحداً. فلا يكونان اثنين بل جسداً واحداً. لايفرقّن الإنسان ما جمعه الله" (مت 19: 4-6).
وعندما جابهه اليهود بأنّ موسى أمر أن تُعطى كتاب طلاق، أجابهم: "من أجل قساوة قلوبكم رخّص لكم موسى في طلاق نسائكم" (مت9: 8).
أمّا بخصوص الشهوة فقد وسّع خطيئة الزنى لتشمل القلب لا الفعل فقط. "سمعتم أنّه قيل: "لاتزنِ" أمّا أنا فأقول لكم: من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" (مت 5: 28). بهذا منع السيّد المسيح أن تكون المرأة أداة للاستهلاك والمتعة. ورفض إلغاء شخصيّتها واختزالها في جسد فقط. كما أنّه جعل مسؤوليتها، في هذا المجال، كمسؤوليّة الرجل عندما قال للذين جلبوا المرأة التي أمسكت في زنا وتركوا الرجل الذي زنا معها: "من منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر". وبعد أن انفضّ الجمع قال لها: "وأنا لا أحكم عليكِ. اذهبي ولا تعودي بعد إلى الخطيئة" (يو6: 11).
أمّا من حيث تعامله العلنيّ مع المرأة فيورد لنا الإنجيل المقدّس أحداثاً كثيرة يتبيّن منها بوضوح أنّه كان يتعامل معها بالاحترام الذي يتعامل به مع الرجل. فقد كانت النساء مرافقات له مع الرسل في تجواله التبشيري، وأعطاهن شرف الإخبار بقيامته من بين الأموات ليُبلغن الرسل الخائفين بها. وكثيرات منهن حملن مشعل البشارة الجديدة في العالم كمواطنتنا القديسة تقلا التي تسميها الكنيسة المعادلة للرسل، وكذلك القديسة نينا مبشّرة جورجيا، وغيرهما كثيرات.(يتبع)