كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

لا يفرّق اللاهوت المسيحي بين الرجل والمرأة في الخلق على صورة الله، ويعتبر الرجل شخصاً والمرأة شخصاً، ويكرّم طبيعتيهما بالتساوي. ففضائلهما متساوية ومكافأتهما متعادلة وكذلك دينونتهما. كما أنّه يرى أنّ الضعف يُعزى إلى الجسد، بينما القوّة هي في النفس. لذلك تكرّم الكنيسة القدّيسات تماماً كما تكرّم القدّيسين. إذ لا فرق في المسيح بين رجل وامرأة على قول بولس الرسول. 
إذا عدنا إلى قضيّة المرأة نلاحظ أنّ نصّ الخلق يجعلها، ككائنٍ إنسانيّ، على المستوى إيّاه الذي للرجل. لكن المجتمع الذكوريّ السائد زمن الوحي وما بعده جعل المرأة في مرتبة أدنى من الرجل واستند المؤمنون إلى نصوص يؤولونها، لتخدم مفاهيمهم الحضاريّة والاجتماعيّة أكثر ممّا تأمّلوا فيها ليصلوا إلى فكر الله المبثوث فيها. 
وكثيرا ما خلطوا ولا يزالون بين وظائف الأنوثة ووظائف الرجولة عند المرأة والرجل. فحتى رسائل بولس الرسول، التي قد تُتَخَّذ بعض كلماتها ذريعة لتسييد الرجل على المرأة، تشدّد على التكامل بين الاثنين، لا على إعلاء أحدهما على الآخر. ولأنه يجعل العلاقة بين الزوجين على صورة العلاقة بين المسيح والكنيسة، يطلب الرسول من المرأة أن تطيع الرجل، لكنّه، بالمقابل، يطلب أوّلاً من الرجل أن يحبّ المرأة كما أحبّ المسيح الكنيسة ومات من أجلها. فالعلاقة أوّلاً وآخراً علاقة حبّ مضَحيّ باذِل نقيّ، تنتفي منه مفاهيم السيادة والطاعة والعبوديّة.
وقد فسّر القدّيس يوحنّا الذهبي الفمّ (القرن الرابع الميلادي) كلام الرسول عن الرأس والجسم بأنّ المرأة سبّاقة للرجل في التقوى والنضال المسيحي. لذا يمكن بالنضال الإنجيلي، تجاوز الترتيب الذي يتكلّم عنه الرسول، بحيث تكون المرأة رأساً للرجل إذا كانت هي الأتقى. وهنا أودّ أن أذكر قولاً لأحد الآباء الكبار المعاصرين: "إذا كان الرجل رأس المرأة فهي الرقبة التي تديره"!! 
ينسب اللاهوت المسيحيّ الفروق النفسيّة (السيكولوجيّة) بين الرجل والمرأة إلى الدور الذي أُوكل إلى المرأة عبر التاريخ، في ظلّ سيطرة الرجل. لكنّه يميّز فروقاً صادرة عن الطبيعة والله ويعتبرها لازمة لتتكامل الحياة بين الاثنين. 
فالتوجّه عند المرأة إلى الأمومة وتربية الأطفال، يجعل فيها ميلاً إلى الرأفة والتحنّن والجمال العذب والعطف والحنان والعاطفة، في حين أنّ التوجّه عند الرجل إلى الشجاعة والعقلانيّة والتنظيم وتذليل الصعاب والصلابة وضبط العاطفة، يجعله مؤهلاً للتحلّي بالصفات اللازمة للعمل والجهد والكسب. 
يشدّد اللاهوت المسيحيّ على التكامل بين الرجل والمرأة. لأنّ كلاً منهما قد خُلق ليكون الواحد للآخر. فالمرأة باستعدادها العفوي لبذل الذات، تحمي الرجل من الوقوع في الجفاف العاطفي والمغالاة في الاعتماد على التقنيّة. وقد لاحظ آباء الكنيسة، كما الآباء الروحيّون اليوم، أنّ المرأة تباري الرجل وتفوقه في عيش الفضائل وحياة الصلاح. 
يدعم علماء النفس والاجتماع اليوم النظرة الدينيّة التي تميّز بين الميول الأنثويّة، التي لولاها لكان العالم فاقداً للحبّ والجمال والرحمة، وبين الميول الذكوريّة، التي من دونها لا يمكن مواجهة مشاقّ الحياة وصعابها. ولأنّ هذه الميول من مكوّنات الرجل والمرأة، يجب أن يكون تحرير المرأة من قيود المجتمع الذكوري مراعياً لطبيعتها، لا دافعاً إيّاها لتقليد الرجل. الدعوة إلى تحرير المرأة لا تعني أن تصبح رجلاً آخر، وتخسر موهبتها الخاصّة، بل التأكيد على كونها كائناً إنسانيّاً يتمتّع بحقوقه الإنسانيّة بكلّ معنى الكلمة، وتمارس دورها الخاص في الحياة. 
إنّ الرأي العام الحالي، الذي نشأ عن الثقافة الذكوريّة الماضية، يمارس ضغطاً نفسيّاً على المرأة حتّى تحقّق ما يفوق المساواة في الحقوق، والهدف من ذلك أن تسعى إلى الجنس أكثر منها إلى الحبّ، وإلى العمل أكثر منها إلى الإنجاب وتربية الأطفال، وإلى العقلانيّة بعيداً عن الحدس، وإلى النضال الأنثوي وروح الصراع أكثر منها إلى تأثير القلب، وإلى المساواة في الفكر وفي الوظائف الاجتماعيّة أكثر منها في المساواة في الكرامة والتكامل في المهامّ الإنسانيّة، والكهنوت الخارجيّ والمنظّم أكثر منها إلى الكهنوت الباطني الذي تملكه هي دون الرجل. 
إنّ المسيحيّة، إذ تعطي المرأة حقّها الكامل في الحياة، تحذّر، في الوقت نفسه، من خسارة المرأة لأنوثتها في الركض وراء مكاسب معيّنة على أمل التساوي بالرجل في الظاهر فقط، كما تنبّه إلى أنّ للمرأة دوراً رائداً وأساسيّاً في الحياة يجب ألّا تخسره، وتُفقِد الحياة طعمها الأحلى. 
يعاني عالمنا من فقدان المعنى، بينما يكمن دور المرأة الأوّل في إعادة هذا المعنى المفقود. لأنّ رسالة المرأة "تكمن في رعاية عالم الرجال من حيث هي أمّ، وتطهيره من حيث هي عذراء، وذلك بمنحه روحاً، أي روحها هي"، على حدّ قول اللاهوتي بول إفدوكيموف. 
هذا لا يعني أنّ صورة المرأة كانت مشرقة دوماً وفق التعليم الأصيل. فكثيراً ما مورس التمييز بينها وبين الرجل في المجتمعات المسيحيّة، وكثيراً ما كانت الكنائس ـ هنا وثمّة ـ لا ترفض الممارسة الذكوريّة في المجتمع، هذا إن لم تكن تؤيدها وتوجِد لها المبرّرات اللاهوتيّة. سيادة النظام الأبوّي في الشرق والغرب لزمن طويل جدّاً رسّخ في العقول مفاهيم كثيراً ما أُولَت النصوص المقدَّسة لخدمتها وتثبيتها. هذا أبطأ من فعل وتأثير خميرة الإنجيل في تغيير واقع المرأة وجعله مطابقاً للمكانة التي أرادها الله لها (كوستي بندلي). 
لكنّنا اليوم نرى مبادرات كنسيّة كثيرة ـ هنا وثمّة ـ تعمل بكلّ رصانة وعزم على كشف الظلم الذي لحق بالمرأة من جرّاء اعتبارها مجرّد إنسان تابع للرجل. "اليوم، وفي نهاية حقبة طويلة من النظام الأبوي، تسعى المرأة إلى تأكيد ذاتها شخصاً إنسانيّاً كاملاً وذاتاً حرّة ومسؤولة. إنّها الخميرة الإنجيليّة تفعل، بعد أن تحررّت أخيراً من الهيكليّات الوثنيّة العتيقة" (أوليفييه كليمان).