كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

على أيّ تنظيم كنسيّ أن يكون تعبيرًا صحيحًا عن الإيمان، وإلاّ فإنّه يحوّل الكنيسة إلى مؤسّسة من هذا الدهر، عدا عن أنّه يشوّه مفهوم كنيسة المسيح. طالما أنّ الإيمان المسيحيّ واضح ومعروف، فواجب المسيحيّين أن يجسّدوه في كنيستهم المنظورة على الأرض. ما من أمر ممكن أن يتمّ إلاّ وينبغي أن تكون له غاية محدّدة، ويهدف إلى أمر بعينه أو أكثر. الإيمان يرسم الهدف، ويُلهم التنظيم والترتيب، وهما بدورهما يعكسان الإيمان في حياة الكنيسة.

فعلى سبيل المثال، يقول إيماننا بشركة المؤمنين، إنّها شركة حقيقيّة لا وهميّة. كيف تتجسّد هذه الشركة في حياة الكنيسة؟ هذا يستلزم تنظيمًا للمال يؤكّد حياة الشركة ويحقّقها، وتنظيمًا للعلاقات تظهر عبره المحبّة التي تحكم أعضاء الكنيسة الواحدة وتقوّيها. أمّا استعارة تنظيم ماليّ مؤسّساتيّ آخر، مهما كان رفيعًا، فهو لا يخدم الروح المسيحيّة ولا يعبّر عن كنيسة المسيح.

وإذا كانت محبّة الفقير والمريض والمتألّم مطلبًا رئيسًا في المسيحيّة، فعلى المسيحيّين أن يهتمّوا بنهج خدمة هؤلاء المحتاجين، حتّى يجعلوا مؤسّساتهم الخيريّة محكومة بروح الإنجيل الذي لا يعطي المحتاج حاجته المادّيّة، دونما الاهتمام بشخصه، والذي يجعل المعطي ممتنًّا من الآخذ لأنّه يعطيه فرصة الحصول على بركة بمساعدته.

وهكذا ما من أمر يمكن أن يتمّ في الكنيسة بعيدًا عن المفهوم الإيمانيّ، الذي سكبه اللاهوت المسيحيّ في صيغ وعبارات وقوانين إيمان واضحة للجميع.

ربّما ينطبق هذا الكلام على مفهوم الكنيسة من حيث إنّها شعب الله. فالإيمان الأرثوذكسيّ يؤكّد على أنّ جميع المؤمنين المعتمِدين باسم الآب والابن والروح القدس، والممسوحين بمسحة الميرون المقدّس قد تكرّسوا لله تكريسًا كاملاً، وصاروا كهنة ملوكيّين يقدّمون العالم وما فيه، وحياتهم أوّلاً للربّ تقدمة مرضيّة لعزّته الإلهيّة. حسب قول الرسول بطرس في رسالته الأولى: «أنتم أيضًا حجارة حيّة فقدّموا أنفسكم لبناء بيت روحانيّ للكهنوت المقدّس، كي تقرِّبوا ذبائح روحيّة يقبلها الله، إكرامًا ليسوع المسيح... أمّا أنتم فإنّكم ذرّيّة مختارة وكهنوت ملوكيّ وشعب اصطفاه الله للإشادة بآيات الذي دعاكم من الظلمات إلى نوره العجيب. لم تكونوا شعبًا من قبل، وأمّا اليوم فإنّكم شعب الله، كنتم لا تنالون الرحمة، وأمّا اليوم فتُرحَمون» (1 بطرس 2: 5 و9 و10).

بموت المسيح على الصليب، انشقّ حجاب الهيكل، وصار شعب الله الهيكل المسيحيّ الجديد الذي هو هيكل حيّ، يؤلّف أفراده المسيحيّون حجارته الحيّة (1 بطرس 2: 5). فقد «جعل منّا ملوكًا وكهنة لإلهه وأبيه، فله العزّة والمجد إلى أبد الدهور» (رؤيا 1: 6). «وجعلت منّا ملوكًا وكهنة لإلهنا، ونحن نملك على الأرض» (رؤيا 5: 10). أمّا المخلَّصون، فيقول عنهم سفر الرؤيا: «يكونون كهنة الله والمسيح، ويملكون معه ألف سنة» (رؤيا 20: 6).

بدأ الرسل بتأسيس الكنيسة، ورسموا، في كلّ مكان، أساقفة، ليرعوا كنيسة الله بدلاً منهم، لأنّهم كانوا مضطرّين إلى الترحال الدائم، ليؤسّسوا شعبًا للربّ في كلّ مكان، استجابة منهم لنداء البشارة. وحلّ الأسقف محلّ الرسول، ليتابع خدمة الأسرار والتعليم والافتقاد أي الرعاية. اتّخاذ الأسقف مكانة الرسول في الجماعة المحلّيّة، جعله الإمام في الإفخارستيّا والواعظ فيها، وتاليًا ارتبطت خدمته بتأمين الخدمات الثلاث التالية: الأسرار والتعليم والافتقاد. احتلال الأسرار مكانة رئيسة لا غنى عنها في الكنيسة، جعل الأسقف يتبوّأ المركز الأوّل، لأنّه هو الأوّل في إقامة سرّ الإفخارستيّا، ولأنّ الوعظ يتمّ في القدّاس الإلهيّ، لذا ارتبط التعليم بالأسقف مباشرة، ولكونه هو الذي يعطي البركة صارت الرعاية ملقاة على عاتقه أوّلاً. من هنا، يعتبر التعليم العقائديّ المعاصر أنّ الخدمة في الكنيسة تتحقّق في ثلاثة مجالات: السرّ والتعليم والرعاية، أي الخدمات التقديسيّة والتعليميّة والرعائيّة.

لكنّ تعدّد الكنائس في المدينة الواحدة بسبب ازدياد عدد المؤمنين في ما بعد، وبخاصّة مع ظهور الأبرشيّات، كوحدة تنظيميّة كنسيّة، استدعى الأسقف أن ينتدب كاهنًا أو أكثر لكلّ كنيسة، ليتمّم عمل الأسقف في الأسرار والتعليم والرعاية. كما أنّ تعدّد الحاجات الرعائيّة وتنوّع طرائقها، استلزم منذ العصر الرسوليّ المبكر إقامة أشخاص «مشهودًا لهم ومملوئين من الروح القدس والحكمة» (أعمال 6: 3) على تتميم هذه الحاجات لخدمة المؤمنين. وهؤلاء من اعتبرهم تقليد الكنيسة الشمامسة الأوائل.

أسباب عديدة، عبر التاريخ، أدّت إلى ضعف الكهنوت الملوكيّ أحيانًا وإلى سقوطه في غياهب النسيان. هذا وصل في الكنيسة الكاثوليكيّة إلى حصر كلّ الأعمال الكنسيّة كالتعليم والرعاية وأعمال المحبّة... في فئة الإكليروس، وأدّى إلى تعليم لاهوتيّ يقول بمفهوم الكنيسة المعلِّمة، الإكليروس، والكنيسة المتعلِّمة، الشعب المؤمن. وإن كان الميل اليوم في دوائر هذه الكنيسة إلى إشراك المؤمنين أكثر فأكثر في الخدمات الكنسيّة.

في الكنائس الشرقيّة القديمة، السريان والأقباط والأرمن، لا تزال كلمة الشمّاس تُطلق على العلمانيّ الذي يُقيمه الأسقف لخدمة محدّدة ولا يلتحق بشريحة الإكليروس. فالأقباط، على سبيل المثال، يطلقون اسم شمّاس على المرتّل الذي يرافق الكاهن في خدمة العبادة. ومع نمو الخدمات الكنسيّة عندهم في العقود الأخيرة، درج استعمال كلمة الخادم، وجمعها خدّام، للتعريف بالذي يقوم بدور تعليميّ أو اجتماعيّ في الكنيسة.

أمّا في الكنيسة الأرثوذكسيّة، فبقي دور العلمانيّين فاعلاً وإن اختلف مع الزمن من مكان إلى آخر، وحتّى في المكان الواحد. عرفت الكنائس الأرثوذكسيّة أنماطًا تنظيميّة مختلفة لاشتراك العلمانيّين في خدمتها على كلّ الصعد. إلاّ أنّ الأمور ليست بالسلام المطلوب في كلّ مكان.

فقد حُفظ دور المؤمنين في إدارة الكنيسة مع الأسقف، ولو مشوّهًا وممسوخًا، في الأنظمة المتنوّعة التي عرفتها الكنائس الأرثوذكسيّة عبر التاريخ، والتي ابتغت تنظيم المشاركة بين الإكليروس والشعب المؤمن في خدمة الكنيسة، وقامت الظروف التاريخيّة بدور مهمّ في صوغها وتشكيلها، ما جعل المفاهيم تزداد تشويشًا واضطرابًا. ففي كنيستنا الأنطاكيّة، ولأسباب التاريخ القاسي الذي مرّ عليها في القرون الأخيرة، برز دور العلمانيّين الوجهاء بدل الموهوبين. فبدلاً من أن يقوم المؤمنون بخدمة الكنيسة، بحسب تقواهم والمواهب التي منحها الروح القدس، برز، في أغلب الأحيان، دور المؤم ىنين بحسب امتلاء جيوبهم وقدرتهم على الإنفاق على الكنيسة واحتياجاتها، وهذا نجم عنه تسلّط ذوي النفوذ الماليّ والاجتماعيّ، وأحيانًا السياسيّ في الكنيسة، وتشويه وجهها الروحيّ. ما ساهم في جعلها تبدو مؤسّسة دنيويّة أكثر ممّا هي إلهيّة.(يتبع)