كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

تقبل، ، سنة جديدة. الجديد الوحيد فيها أنّنا نكبر سنة أخرى. فالزمن هو هو، والأيّام هي هي، والإنسان هو جديدها، لا هي بذاتها. ندخل سنة جديدة، في إيقاع زمني رتّبه البشر، لكي ينظّموا حياتهم. وصار هذا الإيقاع الزمني فرصةً لكي يأمل الإنسان بزمن جديد أفضل من سابقه. يقول الكتاب المقدّس "سنيّ الإنسان سبعون أو ثمانون وأكثرها وجع وتعب"(المزامير). لذلك يترجّى الإنسان، دوماً، أيّاماً أجمل من سابقاتها. يظهر حنينه، إلى فردوسه المفقود، في توقه الدائم إلى الحياة الفضلى. 
إلى ذلك يصبح الوقت، الذي يفصل عنده بين سنة وأخرى، سبباً للاحتفال يما يسمّيه توديع الفائت واستقبال المُقبل. كانت العائلات تجتمع في بيت كبيرها، أو في البيت الأوسع، لتتناول عشاء مميّزاً في تلك الليلة، وتبتهج سويّاً. يجتمع الكبار والصغار معاً ليتناولوا ما تعارفوا على أنّه طعام رأس السنة. يغنّون ويفرحون، وقبيل منتصف الليل يقفون جميعاً للصلاة، والتضرّع إلى الله، لكي يمنّ عليهم بأيّام خيّرة ومباركة. كانوا يؤمنون حقّاً، بأنّ مستقبلهم بيده، هو خالق الزمن والكون. 
ما كان زمن الاستهلاك قد ساد في مجتمعاتنا بعد، وما كان قد فرّق العائلة وشتّتها، حتّى في ليلة رأس السنة.أمّا اليوم، فصارت المناسبة مدعاة لتجارة مميّزة، وتسابقت المطاعم إلى جذب الناس إليها، في تلك الليلة. صار استقبال السنة الجديدة يتم في جو من الصخب والمجون واللهو، فغابت روح الصلاة ونُسيت، وبقي من التضرّع تمتمات لفظية بحت لاغير، واستعاض الناسعن إهمالهم الروحي هذا، بتغييب المناسبة روحياً، لتصير ليلة سَهَر كغيرها من الليالي، ولكن على زيادة في اللهو. هكذا إنسان اليوم، يريد الخلاص من وجعه، لا بمواجهته، بل بتغييبه واستبداله، وقتياً، بأمور تنسيه ما هو عليه من تعب داخلي، وتوتر عصبي، وغياب للفرح والرضى. 
كما درجت، في السنوات الأخيرة، تقليعة جديدة، ألا وهي تجمُّع الناس،عشية رأس السنة، حول التلفزيون، ليشاهدوا ما يخبرهمنجوم"التنبؤ"، بما سيتم من أحداث في السنة المقبلة. بات هؤلاء "المتنبئون" كثراً!! ولِمَ لا؟ فالجو موآتٍ لهم، والطلب عليهم في ازدياد! هذا النوع من قراءة المستقبل مزدهر جداً في هذه الأيام، وتساعد في انتشاره، الآلام التي تعانيها بلداننا، والقلق الذي ينجم عنها في نفوس مواطنيها. أمّا ماذا سيتحقّق، حقّاً، ممّا يقوله هؤلاء "النجوم" أو لا يتحقّق، فسؤال ليس برسم الطرح. ففي خضمّالخوف وعدم الاطمئنان السائدين، يكفي الناس أن يسمعوا خبراً يستبشرون به خيراً، ولو كانوا متأكدين من زيفه!!
لكنّهم، في الواقع، يسمعون، أيضاً، ما يقلقهم ويجعلهم في دوامة من اليقظة المتوترة. وينسون ما جاء على لسان الرب، من نهي عن اللجوء إلى العرّافين والمبصّرين والمنجّمين. " لا يكن فيما بينكم من يحرق ابنه او ابنته ذبيحة في النار، ولا من يتعاطى العرافة والشذوذ ولا الفأل ولا السحر ولا من يرقى رقية، ولا من يسأل جاناً أو تابعة، ولا من يستشير أرواح الموتى. هذه كلّها رجس عند الربّ"(تث28/10). 
ما الذي يجعل البشر يلجأون إلى من يسمّيهم الكتاب المقدّس "العرافين"، سوى عدم تسليمهم حياتهم بالكامل إلى الله؟ الخوف من المستقبل وما يخبّؤه، يدفعهم إلى طلب معرفته مسبقاً، عساهم ينجون ممّا قد يحدث لهم. نسوا أنّ الله "نقشهم على كفّه وحملهم على أجنحة النسور". هذا إيمان يترجّى، أمّا خوفهم فيدفعهم إلى ما هو ملموس. غالبية البشر تسعى إلى استبدال الله بالعرّافين، دونما معرفة جسامة ما يفعلون، وإدراك خطره الروحي عليهم. ماذا يعني رواج هذه الظاهرة، وانتشار كتب التنجيم، وتماسّ المنجمين اليومي بالناس، على الراديو وفي جميع المجلات والصحف، سوى الاستغناء عن الله والسعي إلى اطمئنان مزيّف وكاذب؟ تكفي مراجعة مقولات أحد هؤلاء، في آخر السنة، لنرى كم من الأمور التي لم تتم مما "تنبّأ" به، وكم هو عمومي الذي تحقّق منها. 
المؤمن لا يحيا كالآخرين. لا يقلّد ما يفعله غيره، بل يستنبط ما يناسبه، ويقوّي إيمانه. يفرح المؤمن، لا بأفراح الدنيا الوقتية، التي تسرق ماله ووقته وصحته، وترميه في الوهم، وإنّما بأفراح حقيقية عائلية بريئة، تنمي فيه حسّ العائلية، والمشاركة الحقيقية، وحضور الله الفعّال. يفرح المؤمن بالمناسبات التي تعارف عليها البشر، إنْ لم تتعارض وإيمانه، ولكن بما يتناسب وإيمانه. الخلط بين ما يوافق وما لا يوافق على أشدّه اليوم،فبات،في أغلب الأحيان، من الصعب جداً، التمييز بين الأمور وفصلها. لذلك بات التطرف والتشدّد في كافة الحقول ظاهراً أيضاً. 
كم نحتاج إلى روحيين حقيقيين حتّى نستعيد فضيلة التمييز؟ كم يفتقد المؤمنون إلى من يرشدهم إلى الطريق المستقيم، الذي يؤول إلى خلاصهم ومنفعتهم حقاً! كم أنّ العالم بحاجة إلى شهود أحياء، يؤكّدون له أنّه "منشغل بأمور كثيرة" وأنّ "الحاجة هي إلى واحد فقط"، حتى يستطيعوا أن "يختاروا النصيب الصالح الذي لا يُنزع منهم"!
لنعدْ إلى فرح العائلة المجتمعة سويّاً،ونختبر شيئاً من فرح فقدناه، وبات الجيل الطالع لا يعرفه.

المتروبوليت سابا اسبر. 2015