كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

للإنسان، أمام التجارب والمحن التي قد يتعرّض لها في كلّ وقت، موقفٌ من اثنين: إمّا أن يتعاطى معها برضى داخليّ مؤمناً أنّه يستخرج منها خيراً أفضل له ولغيره، طالما أنّ الله سمح بها، بمعنى أنّه لم يمنعها، أو أن يتعاطى وإيّاها برفضٍ وتذمّر وروح سلبيّة تنغّص حياته وتُقيمُه في التوتّر العنيف على الدوام. 
بكلام آخر، إمّا أن يواجهها بروح إيجابيّة أو بروح سلبيّة. 
المؤمن يقبل ما يحدث معه برضى واثقاً بأنّ فيه خيراً أعظم له، ومن هذا المنطق يتعاطى والمحن أو التجارب. بهذا المنطق كتب القدّيس سيرافيم ما نقلناه على هذه الصفحة بعنوان "هذا منّي" منذ ثلاثة أسابيع. يُعَدّ هذا النصّ الذي كتبه القدّيس، على لسان الله، من أرفع خبرات المؤمن الروحيّة؛ المؤمن الذي يتطلّع إلى خلاصه قبل أيّ شيء آخر. خلاصه هو الهدف الأوّل والأساس بالنسبة إليه. 
من يضع خلاصه هدفاً أوحد لحياته يرى كلّ شيء من خلاله. فلا تعيقه محنة ولا تجربة، ولا يوقفه مرض ولا عصيان. هذا لا يعني أنّه لا يعالج المرض ولا يسعى إلى تقويم الأمور ولا يتعب في سبيل الخروج من المحنة. إنّه يفعل هذا كلّه، إنّما بروح ترى في ما يحصل معه نمّواً له في الحياة مع المسيح، بما فيها من نضج روحيّ وازدياد في الفضائل وتحرّر من الأهواء المعابة. 
يختبر المؤمن في أتعابه تطهيراً أسمى ونقاء أرفع، ويكتشف، في داخله، قوى روحيّة داخليّة سلبيّة ما كان يعيها، فتصير صعوبات الحياة وما يرافقها مدعاة لتحويلها إلى طاقات إيجابيّة. أمّا بيت القصيد في الضيقات فهو اختبار المؤمن لوفرة نعمة الله التي يذوقها كما لم يذقها في أيام الرخاء. 
من يطالع قصص الشهداء والمعترفين الجدد إبّان الحكم الشيوعي في روسيا ورومانيا بخاصّة، وما قاسوه وعانوه، بسبب إيمانهم، من آلام وتعذيب لا يوصفان بشريّاً في سجون رهيبة، لا يمكنه إلّا أن يقرّ بوجود المعزّي الإلهي؛ الروح القدس الذي وهبهم، في وسط مأساتهم، سلاماً يفوق القدرة البشريّة؛ إنّه سلام المسيح فعلاً وحقّاً، ذاك الذي وصفه الإنجيل على لسان الربّ: "قلت لكم هذا ليكون لكم سلام بي. ستعانون الشدّة في هذا العالم، فتشجّعوا. أنا غلبت العالم"(يوحنا16/33). "سلاماً أترك لكم، وسلامي أعطيكم، لا كما يعطيه العالم أعطيكم أنا. فلا تضطرب قلوبكم ولا تفزع"(يوحنا 14/27).
يبقى السؤال: هل المحن من الله وكيف نفهم قول الربّ المتداول "ولكن شعرة واحدة من رؤوسكم لا تقع" (لوقا 21/18). 
ورد هذا القول الإلهي في سياق حديث الربّ يسوع عن الاضطهادات التي سيعانيها أتباعه، بعد سؤال وجّهه التلاميذ إليه بعدما أخبرهم بدمار هيكل أورشليم، فسألوه: "متى يحدث هذا، يا معلّم؟". فكلّمهم عن نهاية الأزمنة (لوقا 21/5-19) وعن خراب أورشليم ومجيء ابن الإنسان (21/20-28). 
يُجمِع مفسّرو الكتاب المقدّس ومنهم العديد من آباء الكنيسة، على أنّ الآية إيّاها قد وردت في معرض تشديد التلاميذ استعداداً لللاضطهادات التي سيتعرّضون لها. وأنّ الربّ لا يقصد بهذه الآية أنّ المؤمنين لن يصابوا بأذى أو يُقتَلوا خلال الاضطهاد - لنذكر أنّ معظم التلاميذ قد استشهدوا - بل تعني بالحريّ أنّ أحداً من المؤمنين لن يعاني من الضياع الروحيّ أو الأبديّ. فقد تموت على الأرض لكنّك تُحفظ للحياة الأبديّة. 
يقول كيرلّس الإسكندري في تفسيره لهذه الآية: "عندما يتحدّث المسيح عن الاضطهاد ينبّه تلاميذه إلى تعرّضهم للخيانة، فعليهم أن يكونوا متأهبين وصامدين حتّى النهاية". أمّا المغبوط أُغسطين فيقول: "هذا هو سبب تعزيته لهم بقوله: "لن تفقد شعرة من رؤوسكم"، مع أنّه تحدّث عن موته الوشيك. لقد بثّ فيهم الرجاء بأنّ الجسد سيبقى سليماً عند انبعاث الأجساد كلّها في اليوم الأخير". 
لم يكن هذا وعداً بصون حياتهم الجسديّة وإنّما ضمانة لعدم الهلاك الأبديّ. فالله نفسه بسلطانه الكليّ يحفظ الذين هم له. لذلك يتابع الإنجيلي لوقا، فيضع قول الربّ التالي مباشرة بعد هذه الآية "وبثباتكم تخلصون". وقد وردت في الترجمات القديمة، بالمعنى ذاته، بالصيغة التالية: "بصبركم تقتنون نفوسكم" (21/19). وذلك لكي يشدّد المؤمنين ويحثّهم على الثبات والصبر في الاضطهاد والبقاء على الأمانة المطلقة والتطلّع الدائم إلى الحياة الأبديّة. 
ثمّة وعد بالخلاص لا للجميع بل للذين برهنوا على ثباتهم في المحنة.
لنذكر هنا كلام الربّ في إنجيل يوحنّا: "خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها، وهي تتبعني. أعطيها الحياة الأبديّة، فلا تهلك أبداً، ولا يخطفها أحد منّي. الآب الذي وهبها لي هو أعظم من كلّ موجود، وما من أحد يقدر أن يخطف من يد الآب شيئاً (10/22-29). 
ما من مقدّر ومكتوب في تعليم المسيح. فقد أُعطي الإنسان الحرية ليختار، وثباته في هذا الخيار يؤكّد أمانته. ثمّة شرّ كثير في هذه الدنيا الساقطة بالمعنى الروحي. لا يمنع الله الشرور دائماً، وهو قادر إن شاء. هذه، على الصعيد الشخصي، يعتبرها المؤمن بسماح منه له المجد، حتّى يحصل على خير لم يكن يهتمّ له من قبل حدوثها. الأمثلة في حياة البشر أكثر من أن تُحصى.
أمّا السؤال بخصوص وجود الشرّ وسماح الله به، بمعنى عدم إيقافه، فأمر آخر. في اللاهوت المسيحي أجوبة عديدة عليه، لكنّه، في النهاية، يبقى سرّاً لا يمكن الإحاطة به كلّيّاً، وتبقى المقاربات اللاهوتيّة في الإجابة عليه ذات علاقة بخبرة الإنسان الشخصيّة مع الشرّ.