كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

عَرَفَت الصلاة في أسبوع الوحدة المسيحيّة زخماً كبيراً في بدء انتشارها، خاصّةً في العقدين السابع والثامن من القرن الماضي، إلا أنّ وهج هذا الأسبوع بدأ يخبو بتراجع الآمال التي انتعشت وقتاً ما، مع بداية العقد التاسع من القرن ذاته.
رافق هذا الأسبوع حركة عبّرت عمّا في قلوب الكثير من المسيحيّين الصادقين من توقٍ إلى رؤيةِ كنيسة واحدة بدل "كنائس كثيرة" مختلفة في ما بينها. لا شكّ في أنّ ما من مسيحيّ أمين وصادق إلا ويشتهي أن تزول الانشقاقات وتلتقي النفوس في جسد واحد للمسيح. 
لماذا خبا وهج الحركة التي سُمّيت بالمسكونيّة مع بدايات القرن الحالي؟ لعلّ هذا السؤال مدعاة للتأمّل في ما مضى من جهود عظيمة في هذا الشأن والتمعّن في ما كان ينقصها أو يعتورها من عوائق وأخطاء. 
أكتفي في هذه العجالة ببعض من هذا انطلاقاً من خبرتي الشخصيّة. 
• بقيت مشاريع الحوار محصورة في نخبة من اللاهوتيّين الذين يدرسون الخلافات العقائديّة وغيرها، ولم يترافق بإشراك المؤمنين، بالشكل الكافي، في مجريات الحوار أو نتائجه. ما أنتج انفصالاً عن واقع الحياة الذي يعيشه الشعب المسيحي. 
• كذلك بقي الحوار في غرف مغلقة مقتصراً على العقائديّات التي لم يُترجَم للشعب انعكاسها في الحياة؛ ما أدّى بالكثيرين إلى الاعتقاد بأنّ الخلافات العقائديّة أمر نظريّ يمكنهم تجاوزه، كونه لا يؤثّر على حياتهم! وفي هذا ضلال عظيم. 
هذا بدوره أدّى إلى نشوء جماعات تعي إيمانها جيّداً، وترفض هذا الحوار وتالياً كلّ اللقاءات المشتركة بعامّة. 
وبعد أن كانت الرغبة في الوحدة عامّة بدأ السجال داخل كلّ جماعة مسيحيّة بين فريقين: أحدهما مؤيّد للعمل المشترك وآخر رافض له كليّاً.
• تمّ الاكتفاء بإصدار وثائق إيمانيّة مشتركة سُمَّيت غير رسميّة [تحتاج لتصير فاعلة إلى قبولها وتصديقها من الكنائس الرسميّة]. في حين كانت الوثائق إيجابيّة لم يُتابَع العمل على إزالة ما لحق بالخلاف الإيماني الأساس، عبر تاريخ طويل من التباعد، من مفاهيم وممارسات مُعْتَبَرة جوهريّة وتؤثّر في بقاء الهوّة بين الجهتين. 
مثال: أدّى الحوار بين الخلقيدونيّين واللاخلقيدونيّين إلى الاعتراف بأنّ الطرفين يؤمنان إيماناً واحداً بألوهيّة المسيح وبشريّته التامّتين. لكن بقي، على سبيل المثال لا الحصر، أمر القدّيسين الذين ظهروا بعد الانشقاق وحتّى الآن غير مطروح، وتالياً بقي قدّيسو كلّ طرف مرفوضين من الطرف الآخر. وكذلك التعاليم التي صيغت عبر الأحداث التي جرت على مدى ألف وخمسمئة عام من تاريخ الانشقاق. 
• ركّز العمل المشترك، خارج دائرة الحوار، على تجاهل الخلافات الإيمانيّة وترافَقَ برؤية تسطيحيّة لأسباب الانشقاقات التي تمّت عبر التاريخ. ساهم في هذه الرؤية كلٌّ من الدافع العاطفي على المستوي الشعبي والمسَيَّس على مستوى بعض القادة الدينيّين. 
• التركيز على قضايا الإيمان المشترك دونما تعميق له في حياة المؤمنين أنتج رخاوة حياتيّة في عيش المسيحيّة؛ باقتصارها على بعض واجبات وأمور جلّها اجتماعيّ ذو طابع مسيحيّ، لكنّه لا يؤدّي إلى انتهاج طريق الخلاص المرجو من كلّ مسيحي.
• بدأ العمل المسكوني بجديّة تبحث الأمور بصدق ودقّة، لكنّه سرعان ما مال إلى الدبلوماسيّة وتمأسس ودخلت فيه روح المؤسسة ومنطقها، فصار همّ الحفاظ على المؤسسة المسكونيّة لاعباً أساسيّاً في رسم سياستها. أمّا في مشرقنا فلعبت عقليّة المحاصصة المذهبيّة في إدارة المجالس المشتركة دوراً أثّر سلباً على استمرارها وعملها وثمارها.
• عمّ انتهاج مبدأ تساوي جميع الكنائس المشتركة في العمل المسكوني. فأدّى إلى ردّة فعل معاكسة وقاسية لدى الواعين إيمانهم في معظم الجماعات المسيحيّة. سادت نظرية الفروع القائلة بأنّ المسيح هو جذع الشجرة وجميع الكنائس الموجودة فروع متساوية في شجرة المسيح. خلطت هذه النظرية الخلافات الإيمانيّة وحجبت وجه الكنيسة الواحدة الرسوليّة الأصيلة وأغلقت الطريق على مسيرة إعادة اكتشافها. ما جعل المناخ المسكوني العامّ غير متقبّل لرؤى الكبار في الإيمان ما دفع بعضاً منهم إلى القناعة بعدم جدوى المنهجيّة المتّبعة في الأجواء المسكونيّة، وحدا بهم إمّا إلى الانسحاب أو إلى الخيبة. 
شجّع هذا المناخ الفريق الرافض للحوار على المجاهرة برفضه علناً والدعوة إلى مقاطعته.
• نموّ الليبراليّة في الكنائس الغربيّة بعامّة والبروتستناتيّة بخاصّة، وبلوغها عند بعضهم إلى قبول أمور منافية للتعليم والأخلاق المسيحيّين صراحةً تحت تأثير التغيّرات المتسارعة والطاغية على مجتمعاتهم، بالإضافة إلى جمود الممارسة الدينيّة في المجتمعات الخارجة من النظام الشيوعي، ساهما في توسيع شقّة التباعد بين الكنائس إلى حدّ أنّ بعضها اضطر إلى الانسحاب من بعض المجالس تحت ضغط شديد وعنيف أحياناً، مارسه الشعب المؤمن، حافظ الإيمان بحسب المفهوم الأرثوذكسي.
• هيمنة الفكر الإنسانوي على اللاهوت الغربي بخاصّة، إذ طغى التفكير العقلاني المتأثّر بالحركات الإنسانويّة، كمفهوم حقوق الإنسان والحركة النسويّة والمثليّة، أدّى إلى عدم التمييز بين الخطيئة والخاطئ، الذي يعرفه الشرق المسيحي، وبرّر الخطيئة "رحمةً بالخاطئ"، ساهم بدوره في خلق جماعات متشدّدة إلى حد التصلّب خوفاً على نقاوة الإيمان. 
والخائف ينحو إلى الانغلاق على نفسه لأنّ الخوف يجعله عاجزاً عن محبّة الآخر وتالياً إلى الاكتفاء "بالحقيقة" التي يقبض عليها وإلى عدم مشاركة الآخر بها وعدم إدراك ما عند الآخر من أمور حسنة. الخوف يغيِّب التلاقي والإثمار وتالياً الإخصاب الروحي. 
• ممّا لا شكّ فيه أنّ العمل المسكوني ساهم في خلق فهم واقعي ومحتَرم بين الكثير من المسيحيّين بعضهم لبعض، إلا أنّ سياسة التبشير والاقتناص بين المسيحيّين لم تتوقّف، ما أدّى إلى خيبة كبيرة عند الشعب وعند من كانوا متحمّسين للعمل المسكوني انطلاقاً من طهارتهم وشوقهم إلى رؤية كنيسة واحدة في المدى المنظور.
ما أوردناه لا ينفي إيجابيّات عديدة للحوار المشترك، غير أنّ عدم متابعتها وتخصيبها أدّى إلى طغيان السلبيّات وإعاقتها لمتابعة التثمير الذي نتج حتّى الآن.
يبقى المؤمن الأمين متشوّقاً إلى التقاط كلّ فعلٍ للروح القدس في هذا العالم والفرح به أينما وُجد، وتالياً يبقى في توقٍ إلى تحقيق صلاة المسيح الأخيرة: "ليكونوا واحداً فينا، أيها الآب مثلما أنت فيَّ وأنا فيك. ليؤمن العالم أنّك أرسلتني" (يوحنا 17/21).