كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

يقول القدّيس غريغوريوس: للإنسان المسيحي عملان بمعنى مهنتين؛ الأولى أن يصير مسيحيّاً والثانية، لكي يؤمِّن متطلبات معيشته، أن يمارس عملاً أو مهنة ما محدّدة: طبيباً، معلِّماً، عاملاً...إلخ.
خلاصة كلام هذا اللاهوتيّ العظيم هي أنّ عمل الإنسان الأوّل والأهمّ هو أن يكون ويستمر وينمو في المسيح. فالمسيحيّة ليست حالة ساكنة أو شيئاً تحمله على عاتقك أو تتبنّاه وينتهي الأمر، بل مسيرةً لا تتوقّف، حركةً لا تنتهي، طالما أنت في الجسد. المسيحيّة نموّ يوميّ وتخطٍّ مستمرّ باتجاه الحياة الفضلى. إنّها حياة متجدّدة يوماً بعد يوم إلى أن يرث الله النفس ويملأها بحضوره. إنّها عشق لا يشبع من المعشوق؛ الله. ثمّة آية جميلة في نشيد الأناشيد تقول: "اجذبني وراءك فنجري"(نشيد 4/1). زار الأنبا عمّون ناسكة في روما لا تبرح صومعتها وسألها: لماذا أنت قاعدة هنا؟ فأجابته: أنا لست قاعدة بل سائرة! 

لماذا يحيا الإنسان؟ ما غاية حياته؟ ما الهدف الذي يحيا من أجله؟ يقول الربّ "أمّا أنا فجئت لتكون لهم الحياة، بل ملء الحياة" (يو10/10). 
غاية الحياة في المسيحيّة هي أن نحياها بملئها، أن نحيا في حضن الله وأن يملأنا الله بنوره الإلهي، فنحيا في حضرته على الدوام، ونستمدّ الحياة وملأها من اتّحادنا بشخصه وعيشنا معه وفيه.
ولكي نحقق هذه الغاية نضع أهدافاً توصلنا إليها.
هذه الأهداف سبلٌ إلى تحقيق الغاية التي لا تتحقّق من دونها، على الرغم من الخطر الوارد الكامن في أن تأخذ أحياناً مكان الغاية وتصبح عند الإنسان وكأنّها الغاية بحدّ ذاتها. 
ثمّة غاية وهدف لكلّ حرفة أو مهنة، روحيّة أو دنيويّة يمارسها الإنسان. الغاية هي الهدف الأساس والأصلي والأوّلي، أمّا الهدف (أو الأهداف) فهي الطرق أو السبل الموصلة إلى الغاية والمحقِّقة لها. الغاية هي سبب السعي نحو تحقيق الهدف (أو الأهداف) المرحلي المحدَّد، بينما الهدف (أو الأهداف) هي الوسائل التي توصل الإنسان إلى غايته الأخيرة. 
الغاية والهدف يسيران سويّاً، لا تتحقّق الأولى من دون الثانية ولا تكتمل الثانية من دون الأولى. هما معاً ولكنّهما متمايزان من حيث المفهوم، أي نظريّاً، لكنّهما يسيران سويّاً من حيث التطبيق أو التنفيذ، أي عمليّاً. الغاية والهدف مرتبطان سويّاً، فالغاية تتبع حيازة الهدف بالضرورة. 
غاية المزارع، على سبيل الإيضاح، الحصول على دخلٍ جيّد يؤمّن له حياة كريمة ويقيه شرّ العوز والفاقة. أمّا زراعة الأرض والعناية بها والسهر على تأمين محصول جيّد فهو الهدف الذي يحقّق له الغاية. ليست الزراعة عنده هدفاً بحدّ ذاته، بل هدف يحقّق له الغاية الأساسية. هدفه شيء يأمل أن ينجزه بعمل معيّن وخاصّ أو بسلسلة من الأعمال، أمّا غايته فهي الحالة التي يسعى إلى بلوغها. هدفه شيء يعمل له ماديّاً وروحيّاً، بينما غايته حالة ينشدها فقط بواسطة الهدف.
هكذا هو حال المسيحيين، بحسب الإنجيل. غاية المسيحيّين هي ملكوت الله أو ملكوت السموات. "اطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه والباقي كلّه يُزاد لكم"(متى 6/33). أمّا هدفهم المباشر فهو ملكوت الله، ويأتون إليه بنقاوة القلب التي من دونها يستحيل على أي إنسان الوصول إلى الغاية التي نتكلّم عنها. هذا ما يقصده القدّيس غريغوريوس بقوله السابق. يسمّي قدّيسنا الغاية المهنة الأولى.
ترتبط نقاوة القلب بحياة القداسة والهدوئيّة والمحبّة. إنّها حالة النفس في غياب الأهواء، أو بالأدقّ، في نهج تقويم الأهواء وتصعيدها لإعادتها إلى الوضع الذي كانت فيه قبل السقوط.
خلقنا الله لكي نحبّه ونحبّ بعضنا بعضاً، فوضع فينا هوى المحبّة. لكن سقوط الجدّين الأوّلَين جعل المحبّة تنحرف عن مرماها، فاستبدل الإنسان محبّته لله وتالياً لأخيه الإنسان بمحبّته لنفسه، فتضخّمت الأنا وساد حبّ الذات وطغى على أيّ محبّة أخرى، فكانت الأنانيّة ولحق بها الظلم والقسوة وما إليهما من أنواع الرذائل.
يقَوِّم المسيحي هوى المحبّة لا بتغييبه أو قمعه، بل بتقويمه واستعادته إلى الأصل الذي وُجد من أجله. 
هذه حاله مع الأهواء الأخرى. فهوى الغضب صالح في أصله، لكي يرفض الإنسان الشرّ وما إليه ويوجِّه طاقته الغضبيّة نحو الخير، لا لكي يرفض غيره ويُفرِغ طاقته هذه عليه انتقاماً وثأراً. كذلك هوى الشهوة أو اللذّة. خلقنا الله لكي نفرح. لو لم يكن فينا هوى اللذة ما كنّا ذوي إحساس ولا مشاعر. استبدل الإنسان الساقط (من حضرة الله) الفرح الأعظم؛ فرحه بحضور الله، بالبهجة الناجمة عن اللذّة الحسيّة الأقرب إليه، أعني لذّة الجسد والمادّة ...
عمليّة التقويم هذه تحتاج إلى وسائل يستحيل تقويم الذات من دونها. هذه الوسائل تفتح الإنسان على نور الله ونعمته ومحبّته، فتفعل قدرة الله فيه وتُنهضه من سقطته وتغيّره من الداخل مُعيدةً أهواءه إلى أصلها. هذه الوسائل هي وصايا الله. 
حفظ الوصايا في المفهوم الإنجيلي يعني عيشها وممارستها في الحياة اليوميّة، لا معرفتها وحفظها عن ظهر قلب. ماذا ينفع أن تعرف عن الوصايا فقط؟ المهمّ أن تسلك فيها، أن تصير منهجك، طريقك، نمطك في الحياة. هكذا تنمو شيئاً فشيئاً وتتهيّأ إناءً لائقاً بحضور الله وفعله فيك. 
من هنا نفهم ما قاله القدّيس سيرافيم ساروف من أنّ الوصايا ليس الهدف (يقصد الغاية) بل وسائل (أهداف) للوصول إلى الغاية. يعبّر القدّيس عن الغاية الأساسيّة بعبارة "اقتناء الروح القدس" وعن الأهداف الموصلة إلى الغاية بعبارة "حفظ الوصايا". فيعتبر الصلاة والصوم وأعمال المحبّة وما إليها من فضائل ليست غاية بحدّ ذاتها بل وسائل وطرقاً تؤدي إلى بلوغ الغاية. 
عندما سأله تلميذه عمّا يعني بقوله "غاية المسيحي هي اقتناء الروح القدس"، قال له، وهما في وسط الثلج: ماذا تشعر الآن؟ فأجابه بالدفء وتابع بعد قليل فقال: أراك في وسط النور يا أبت. في الحقيقة، كانا، كلاهما، في حضور إلهي فائق بواسطة الروح. هذا تذوّقٌ لبعض أفراح الملكوت السماوي يختبره الأنقياء القلوب مسبقاً، وهم في هذه الحياة الدنيا. 
ألم تقل التطويبة: "طوبى لأنقياء القلوب لأنّهم يعاينون الله"ّ!(متى 8/5)