كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

المحبّة مطلب الجميع. كلّ إنسان يريد أن يكون محبوباً. الكلّ يطلب أن يُحَبّ ويعيّب على القريبين منه لأنّهم لا يحبّونه بالشكل الكافي ويلومهم على نقص محبّتهم تجاهه. الكلّ يطلب المحبّة، لكن قلائل الذين يطالبون أنفسهم بها!
المسيحي إنسان محبّ، أو له ظاهر المسيحيّة فقط. لا يمكنك أن تكون تلميذاً للمسيح وأنت لا تشتعل حبّاً للبشر وللخليقة كلّها. التلميذ يتبع معلّمه في خطاه، والمسيح أسمى صورة عن المحبّة الحقّ. الله محبّة. والوصيّة العظمى في الناموس تبدأ بكلمة "أحبب" الربّ إلهك"، والثانية مثلها كذلك تبدأ ب "أحبب" "قريبك كنفسك". 
ما من إعفاء لتلميذ المسيح من التزامه بعيش المحبّة وصولاً إلى بلوغ المحبّة الخالصة. 
يتغنّى كثيرون بالمحبّة ويتكلّمون عنها ويشيدون بها. ليس هذا المهمّ. المهمّ أن تحياها، أن تختبرها، والأهمّ أن تدرّب نفسك عليها. ما تغنّى المسيح بها يوماً، بل عاشها فعليّاً وظهرت في سلوكه وأعماله وموته وقيامته. ما طلبها من غيره ولا طالب أحداً بها. كان محبّة مبذولة حاضرة. 
لم يعد الإنسان المعاصر قادراً على عيش المحبّة من دون تعب وألم شديدين. لماذا؟ لأنّه ينشأ على الأنانيّة وحبّ الذات. يتربّى على الأخذ والحصول على ما يريد. ينمو منذ صغره على أنّ اقتناء الأشياء يجلب السعادة له. عائلته الصغيرة لا توفّر له إمكانية تبادل شيء ممّا له مع أخيه؛ ببساطة، لأنّ ليس له إخوة وأخوات. باتت العائلة قليلة العدد!! 
من يدرّب أولاده على توفير البسيط من حصّتهم بهدف منحه لمحتاج؟! من يصحب أطفاله في مناسبة ما إلى مؤسسة إنسانيّة، ليتعلّم أنّ ثمّة من يتألّمون من حاجتهم إلى لوازم الحياة الدنيا أو لوازم الإنسانيّة المعنويّة الدنيا؟!
يوصينا الرسول يوحنّا الإنجيلي قائلاً: "لا تكن محبّتكم بالكلام واللسان، بل بالعمل والحقّ" (1يو3/18). أمّا الرسول يعقوب فيقول لنا "لو كان فيكم أخ عريان أو أخت عريانة لا قوت لهما، فماذا ينفع قولكم لهما: "اذهبا بسلام! واستدفئا واشبعا، إذا كنتم لا تعطونهما شيئاً ممّا يحتاج إليه الجسد؟ ويتابع: "كذلك الإيمان، فهو بغير الأعمال يكون في حدّ ذاته ميتاً"(يع2/14-17).
الذين نشأوا في مناخ محبّ ونعموا بالمحبّة في صغرهم يقدرون، بسهولة أكثر، أن يعيشوها ويصيرون بدورهم أناساً محبّين. من هنا ضرورة عيش المحبّة في البيت أولاً. فالبيت مصدر كلّ الفضائل. كم نلتقي في حياتنا بأناس لا يصدّقون أنّ ثمّة من يحبّهم، أو يسيئون تفسير أو فهم محبّته لهم؟!
المحبّة الحقّ الفاعلة هي المطلوبة، وهي، ككلّ فضيلة، تحتاج إلى تدريب وتربية. يتعلّم الإنسان المحبّة من ربّه ومن المحبّين الذين يصادفهم في حياته، كما إنّه مضطر إلى أن يعلّم نفسه هذه الفضيلة العظمى. 
درّب نفسك على ممارسة المحبّة في الأمور الصغيرة. تمرّن على أن تعطي التفاحة الكبرى لمن تحبّه وترتضي بالصغيرة لك. خصّص علبة أو مرطباناً تضع فيه ما تقتطعه أو توفره من مدخولك في سبيل إنفاقه في أعمال المحبّة. الأفضل أن تبدأ بتخصيص نسبة، ولو ضئيلة، لكن محدّدة من مدخولك وتضعها فيه. هكذا تترقّى في عطائك من القليل إلى الكثير. 
الإنسان ميّال إلى تفضيل ذاته على الغير، بينما التحرّر من حبّ الذات فضيلة أساسيّة للبلوغ إلى التحرّر الكامل. انتبه إلى أن تقوم من وقت إلى آخر بأعمال ترتاح لها من أجل توفير كلفتها لصالح المحتاجين؛ كأن تمشي مسافة طويلة مرّة في الشهر لتوفّر كلفة تكسي أجرة! هذا يفيدك جسديّاً أيضاً، فرياضة المشي تعود بفائدة جزيلة على صحّتك.
إن كنت مولعاً بالثياب وحريصاً على أناقتك، انتبه فالأناقة ليست مرتبطة بكثرة الثياب. جرّب مرّة ألا تشتري قطعة أعجبتك لتعطي ثمنها لطالب يتعثّر ماديّاً في دراسته الجامعيّة، وكم هم كثر في هذه الأيّام. أو جرّب أن تشترها لتعطها لفقير تعرف أنّه بحاجة إليها. ستختبر فرحاً داخليّاً فريداً.
تبدأ حياة المحبّة بالأشياء الصغيرة. من لا يبدأ بالصغيرات لا يكبر ولا يصل إلى الكبيرات. هذا يصحّ في كلّ الفضائل، كما في الرذائل. 
ثمّة تجربة شيطانيّة خبيثة هنا؛ يروّج لك الشيطان بأنّ ما باستطاعتك تقديمه قليل جداً ومعيب، فالأفضل أن تنتظر حتّى تتحسّن أحوالك وتقدّم شيئاً يليق من حيث كمّيته. قد تنقضي حياتك وأنت ترى قلّة ما بوسعك تقديمه فتحجم عنه؛ قد تموت وأنت لم تتعلّم فنّ العطاء. نعم هو فنّ وتحتاج إلى التمرّن عليه كثيراً حتّى تتقنه. 
إن كنت تستصعب إخراج المال من جيبك أو محفظتك لصالح غيرك، فابدأ بالابتسامة له وبالعطاء المعنوي. كم من كبار في السن أو مرضى ينتظرون زيارة ترفع معنوياتهم، وتخبرهم بأنّ ثمّة من يفكّر بهم؟ كم من طلّاب يحتاجون إلى تقوية في دراستهم؟ 
بإمكانك نثر المحبّة أكثر بكثير ممّا تظنّ. تحتاج إلى شيء واحد في البداية؛ أن تخرج من ذاتك قليلاً لتنظر إلى غيرك. يقول أطباء النفس إنّ العزلة الداخليّة تقتل الإنسان كلّياً. اهتمامك بذاتك فقط وإعراضك عن غيرك يقتلك أنت، يقيمك في الكآبة والقنوط وعدم الرضى وتالياً عدم الاكتفاء. يبثّ فيك مشاعر الخوف على نفسك ووسواس اقتناء المادّيات وجمعها ظنّاً منك بأنّها تحميك! المحبّة وحدها تحميك. إنّها الكنز الذي لا يعادله آخر. 
ابدأ بتدريب نفسك وسترى أكثر بكثير ممّا قلته لك. 
ضع كلمة القدّيس أمبروسيوس أوبتينا هذه أمام عينيك وستختبر مدى انعكاسها إيجاباً عليك. يقول: 
إذا أردت أن تحبّ فاعمل أعمال المحبّة، ولو كنت في البدء تعملها من دون حبّ".