كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

لست مغرماً بالمؤسسات بعامّة، والكنسيّة منها بخاصّة، ولست من أنصار التنظيم المفرط في الكنيسة. لكنّني أيضاً لست من أنصار الفوضى والتسيّب، وأريد الشهادة الإنجيليّة الخادمة وأسعى إليها في عالمٍ ما فتيء يصعّب هذه الخدمة ويزيد في عوائقها يوماً بعد يوم.
للمؤسساتيّة الخَدَميّة في الكنيسة شؤون وشجون باتت في شرقنا على الخط الأحمر. فزمن المجانيّة والعمل التطوّعي قارب على الانتهاء إن لم يكن قد انتهى، وبتنا في زمن الوظائفيّة والتوظيف. تحتاج المؤسسات والجمعيّات الخَدَميّة إلى زاهدين حَمَلة رسالة، وهؤلاء ما عادوا موجودين بوفرة في عالمنا المحموم بالدنيويّات التي لا تنتهي. أمّا الأزمات الاقتصاديّة التي تعيشها بلادنا فتزيد الضغط على هذه الهيئات؛ خيريّة بالكليّة كانت أم جزئيّة.
كيف نحافظ على مؤسّساتنا وجمعيّاتنا الكنسيّة بحيث لا تترهّل ولا يتراجع أداؤها الخَدَمي الرسالي ولا تصير متخلّفة قياساً بالتطور الحاصل من جهة، وتبقى أمينة ومستمرّة في رسالتها الخادمة والشاهدة لحبّ الله لخليقته ورعايته لها من جهة أخرى؟ ليس الجواب بسهل. الهجوم والنقد وتعرية الأخطاء والانحراف أسهل بكثير من البحث على الحلول. 
بتنا في وقت يتطلّب، وعلى وجه السرعة، تقييماً جديّاً رصيناً هادئاً وشاملاً لكل العمل الرعوي والمؤسّساتي في الكنيسة: واقعه، ضرورته، أولوياته، رسالته، استمراره، تنميته... إلخ. فالتغيّرات المتسارعة في عالم اليوم بالإضافة إلى الأزمات المختلفة، بما فيها الاقتصاديّة، المتلاحقة في العالم وفي بلادنا بالأخصّ باتت تهدّد الكنيسة في وجودها وتتطلّب التركيز السريع على الجوهر ولو تطلّب الأمر، أحياناً، إهمال المظهر أو تعديله أو حتّى تغييره. 
تكمن تجربة العمل المؤسّساتي الأخطر في اللحاق بالتطور الذي لا ينتهي وقد يستنفذ المدخرات والموارد في سبيل الحفاظ على المؤسسة ونموها. الخطر كامن في أن هذا الأمر المشروع واللازم في عالم اليوم المتسارع التغيّر قد يسرق أولويّة المؤسّسة على حساب رسالتها الأساسيّة، فيأخذ من حصّة الفقير والمعوز.
هل جميع المؤسّسات لازمة اليوم؟ هل بالإمكان الاستغناء عن بعضها واستبدالها بأخرى؟ أليس طرح السؤال حول الغاية منها وطرق الحفاظ عليها بات حاجة ماسّة؟ ألا يجدر بنا أن نفتّش عن دعمها وتغذيتها بطرق موافقة للإنجيل؟ باختصار، ألا نحتاج إلى إعادة النظر في ضرورتها، وبالأدقّ إلى معرفة رضى الله عنها ومباركته لها؟ 
هل تستلهم السياسة الرعويّة رضى الله وتنتظر علامة منه على مباركته لها، أم أنّ حمى العمل المسمّى رعويّاً باتت مقتصرة على بشريتنا وتالياً مليئة من معطوبيتنا وقبحنا واستيلائنا على دور الله دونما قصد؟ هل نطرح السؤال حول مدى استلهام بركة الله لها أم أنّ الدافع الأقوى هو اللحاق بركب المنافسة مع الآخرين؟
هذه أسئلة لا بد لنا من طرحها إن أردنا أن نكون أمناء على الرسالة. نحتاج إلى جرأة عظيمة في مقاربة واقعنا الرعوي عموماً والمؤسّساتي خصوصاً؛ جرأة لا يمكن لنا أن نكتسبها ما لم نفسح المجال كليّاً للروح القدس لكي يعمل فينا وفي واقعنا، وما لم نتخلّى تخلّياً شبه كامل عن قناعاتنا وتوجّهاتنا الشخصيّة المشوبة بالأهواء والخطايا.
في بلد غني ومتقدّم كهولندا، أخبرني المرحوم الأب اليسوعي فرانس (فاندرلخت) في العام 1985، أنّ الرهبانيّة اليسوعيّة تسلّم مدارسها للدولة لأنّها لم تعد قادرة على مجاراة التطوّر التقني الذي توفّره الدولة الهولنديّة لمدارسها من جهة، ولا تستطيع قبول التوجّه التربوي الجنسي الذي تفرضه الدولة في مناهج الدراسة من جهة ثانية. 
اكتشف الآباء اليسوعيّون أنّ المدرسة هناك لم تعد تؤدي الرسالة فاضطروا إلى التخلّي عنها. هل لنا الجرأة على فعل شيء كهذا إذا اكتشفنا زوال هدفه؟ هذا مجرّد مثال أورده للتأمّل والتبصّر، فلا يحملّني القارئ الدعوة إلى إغلاق المؤسّسات التربويّة، لأنّني أعتقد أنّنا لا نزال بحاجة ماسّة إليها في بلادنا. 
نحتاج إلى تأمين التوازن بين استمرار المؤسّسة وبين قدرتها على ممارسة رسالتها الخادمة في الوقت ذاته. ألا يجدر بنا البحث عن تخصيص مدخول مستمر يرفد المؤسّسة لدعم الناحية الخَدَمية فيها، فلا تعود عاجزة عن خدمة الفقراء الذين وُجدت أساساً من أجلهم؟ ألم يحن الوقت لكي نجيّش كلّ الطاقات المتوفّرة لكي نؤمّن ما يمكن أن يسند الفقراء والمعوزين، بقدر ما نستطيع؟ أليس هذا هو الوقت الأنسب لكي نجعل من خدمتهم الأولويّة في عملنا الرعوي والكنسي؟ 
في لقاء جمعني مؤخراً ببعض المؤمنين سألتهم أين المغتربين من أبناء بلدتكم؟ ماذا يقدّمون؟ وماذا تفعلون لكي تتواصلوا معهم؟ كان الجواب: لا شيء!!
لماذا اعتاد شعبنا على اللامبالاة وانعدام الحسّ والاكتفاء بالإشفاق الكلامي العاطفي؟ ما هو سبب تخلّي المؤمنين عن دورهم أم ثمّة أسباب عديدة؟ لماذا نجد رعاة أمناء للغاية لكن الكثير منهم لا يستطيع تفعيل أمانته وتجسيدها في عالم اليوم؟ ولماذا نجد مؤمنين مخلصين للغاية لكنّهم محبَطون وشبه مشلولين ويعوزهم روح المبادرة ؟ لماذا فقدنا زخم الإقدام الجريء الذي تميّز به جدودنا، فأسّسوا الجمعيّات الخيريّة والمياتم والمآوي وما إليها؟ 
هل نحتاج إلى أنبياء أم أنّ بلادة الحسّ فينا صارت تمنع الله من افتقادنا بهم. في لقاء تلفزيوني ميلادي سألني الأب المحاور: هل تخاف على الكنيسة؟ فكان جوابي العفوي: أخشى أن يدير الله وجهه عنّا بسبب بلادة حسنا وجبننا وغبائنا!!
كلّ همّي أن تحرّض هذه الأسئلة على التفكير وأن تشحن النفوس بالجرأة على البحث واستنباط السبل المطلوبة لمواجهة مآسي واقعنا بروح إنجيليّة صافية. أما كفانا اجتراراً وانفصالاً عن الواقع؟ ألا يحثّنا البهاء ليتورجيّتنا داخل المعبد على نقله إلى واقع الحياة ولترجته؟!