كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

من مظاهر الثورة الإعلاميّة التكنولوجيّة الحديثة سرعة تلقف الخبر دون تمحيصه والتدقيق في صحّته. فتوارد الأخبار المتلاحق وتنوّعها وكثرتها يجعل المتلقّي، قارئاً أم سامعاً، في حالة المتقبِّل لا الفاحص. تنهمر الأخبار، خبراً تلو الخبرّ، وغالباً ما يمحو الخبرُ التالي الخبرَ الماضي من الذاكرة.
يزداد التأثّر السلبيّ بالخبر الرديء إذا ما رافقته الصورة، المتحرّكة منها بخاصّة. آنذاك تختزن الذاكرة الخبر وتتفاعل معه بشكل أعمق. لا تغادر الصورة المخيّلة بسهولة، ويستخدمها الشرّير ليوقظ الفكر السيء في ذهن الإنسان. 
يلعب فضول الإنسان وميله الداخلي العميق، بوعي وبغير وعي، دوراً فاعلاً في اهتمامه بالأحداث السّيئة، أكثر من الصالحة، وملاحقته لها ومعرفة تفاصيلها. هذه تترك بصمة عميقة في اللاوعي وتقود الإنسان، عن غير قصد، إلى ارتكاب الشرور. أمَا كانت صحف الفضائح تُباع بأعداد كبيرة خيالية قياساً بالصحف الرصينة، قبل انتشار الشبكة العنكبوتيّة؟!! أَلا يتداول الناس أخبار امرأة سّيئة السمعة أكثر بكثير ممّا يتداولون أخبار امرأة فاضلة؟!! 
يبدو أنّ الميل الفطري إلى الشرّ في الإنسان الساقط يشدّه إليه في اللاوعي، وإن كان ضميره الحيّ يمنعه من ارتكابه. من هنا تأتي خطورة التعاطي مع الإعلام بخفّة ودونما تدقيق، خصوصاً إذا ما عزف على أوتار حسّاسة في نفس من يتوجّه إليه وأثار غضباً مخفيّاً أو ثورة مكبوتة أو حقداً دفيناً أو عدم رضى عن ظواهر لا يدرك المرء دوماً تفاصيل واقعها. 
كنت في مونتريال (كندا) في ربيع العام 1996، وكانت وسائل الإعلام المرئية، تقتصر على التلفزيون في ذلك الوقت، تتداول حكماً قضائيّاً بحقّ كاردينال مونتريال السابق المتوفي. قضى الحكم بأخذ عيّنة من ال DNA من قبره لفحصها في سياق التحقيقات الجارية بتهمة اغتصابه ولداً، كان قد تقدّم بدعواه وقد بلغ أواخر الأربعينيّات من عمره. انتشر الخبر بين الناس لبثّه مراراً عديدة في نشرات الأخبار اليوميّة وبدأوا يتداولونه في إطار التهجّم على الكنيسة. لكن من فكَّر في خضّم هذه الحمّى بمدى علميّة إثبات حادثة اغتصاب بعد أربعين سنة من حدوثها من جرّاء فحص ال DNA؟ أراهن، لا أحد. على الأقلّ ممّن حضرت مجالس تداولهم للخبر!!
من أخطار وسائل التواصل الاجتماعي السائدة اليوم استخدامها لما نسمّيه "فشّة خلق". غالباً ما يُفرغ الغاضب شحنة غضبه في كلمات يبثّها عبر جوّاله، فتنتشر انتشار النار في الهشيم. لكن بعدما يعود إلى رشده ويدرك خطأه هل يصل تصحيحه أو اعتذاره إلى كل من سمع به؟ بالتأكيد لا. وهكذا يبقى تأثير كلامه الأوّل فاعلاً في نفوس الكثيرين، خاصّة إذا ما وجد في نفوسهم وأفكارهم صدىً. 
التعميم خطر آخر شائع في نقد بعض الظواهر الرديئة أو الممجوجة. كذلك يساهم الانفعال في تغييب الموضوعيّة عن الأمر المنتَقَد فتصير التفاصيل الشخصيّة هي الموضوع الأساس على حساب الحلّ المنشود، فيتشخصن الأمر وتبقى الظاهرة. يغيب التحليل الموضوعي ومعه التمييز بين الحالات والظروف، فيسود التعميم الشامل لتنطبق الظاهرة على جميع المنتمين للشريحة التي تنتقد. 
إذا صوّبت، على سبيل المثال، السهام على الإسراف في المشتريات والمظاهر، ترى الأمر ينزلق إلى "وضع الحق" على المرأة، وسريعاً ما تصبح جميع النساء مسرفات ومبذّرات، ويبدأ استعراض الحالات الشخصيّة وتختفي الظاهرة موضوع الحديث الأساس، لتبقى بلا تحليل، وتالياً من دون حلول. 
ينتقد بعضهم اليوم ما يدعونه مظاهر الغنى في الكنيسة، مستندين بالأكثر إلى المظهر الليتورجي. تراهم يعمّمون ويطلقون الأحكام متناسين، عن قصد أو غير قصد، مظاهر الفقر الكثيرة الموجودة أيضاً في الكنيسة إيّاها وفي بعض مؤسّساتها، أو في سيرة أشخاص من أعضائها وقياداتها. 
كذلك يحكمون على الشكل دون السؤال عن جوهره. يرون أشياء بهية وتاجاً برّاقاً، ومعظمهم ينخدع بما يرى. ما هي نسبة الذين يعرفون أنّ التاج الأسقفي مصنوع من الكرتون الملبَّس بقماش مطرز آليّاً وعليه بعض الصور. استغرب أحدهم هذا الأمر ولم يصدّق أنّ البدلات الليتورجيّة ليست من البروكار الدمشقي الحريري الأصيل الغالي الثمن، وأنّ معظمها مخيط من قماش عادي، حتّى أريته بعضاً منها بما فيها المزخرفة!
الهجوم العنيف المنفعل يجد صدىً له في الواقع الاقتصادي الصعب الذي نعيشه، وكذلك في عدم قدرة الكنيسة على تلبية كافّة احتياجات شعبها. تُرى لماذا لا تتمّ الإضاءة على ما تقدّمه الكنيسة من خدمات، مهما كان متواضعاً، مع العلم أنّها ليست متواضعة دوماً، ولو أنّها لا تغطّي جميع الاحتياجات. هل تستطيع الكنيسة أن تقوم بدور الدولة؟
تسمع حملات هجوميّة على وسائل التواصل الاجتماعي ولا تعرف الدافع لها ولا شخص المهاجِم وما يبيّته بكلامه. قد تعرف اسمه وترى صورته لكنّك لا تعرفه شخصيّاً وتالياً لا تعرف ماضيه ولا تَوَجُّهَه. يلقى الكلام صدىً في نفسك لأنّه كثيراً ما يكون جذّاباً للوهلة الأولى ويعزف على أوتار حسّاسة وصادقة عندك فيلقى التجاوب المطلوب. لكن مهلاً. كم هو الكلام الحقّ الذي يُراد به باطل؟
نشهد اليوم هجوماً على تصرّفات وسلوكيّات عامّة وشخصيّة، وتنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي أخبار غير دقيقة وبعضها كاذب وآخر مضلِّل. أترانا نقوّم اعوجاجاً بمجرد انتقاده والتداول به؟ أنسأل من وراء هذه الصفحات؟ هل تبغي الخير لنا عموماً؟ ما الدوافع التي تقف وراءها؟ 
الانتقاد الصادر عن غضب أو حقد أو انتقام هو انتقاد شيطانيّ يبلبل النفوس ويزرع الشكّ ويرمي الاتّهام ويُضعف همّة السامعين. الغضب الحاقد لا يُصلح ولا يبني، بل يفسح المجال للحقد بالظهور والعربدة، وتالياً يهدم ويخرِّب ويعيث فساداً من نوع آخر أكثر قسوة من الخطأ المنتَقَد. فالخطأ قد يؤذي بعضهم بينما الحقد يزرع الموت. 
ألا جعلنا الله من الذين يزرعون الحياة.