كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

الإحسان مفردةٌ لم تعد تُستعمل كثيراً في الأدب الروحي الأرثوذكسيّ المعاصر، لأنّ المعنى المسيحي لهذه الفضيلة يكمن في المشاركة لا في التعطّف؛ مشاركة المحتاج باحتياجاته أو ببعض منها، ممّا يتوفّر عند المحبّين مهما كان متواضعاً. 
للفظة الإحسان رنّة تفيد معنى العطاء من فوق أو اقتصاره على العطاء الماديّ. أمّا العطاء المسيحي فيقوم على مفهوم المشاركة في الخيرات دونما تمييز بين المعطي والمتقبّل العطاء، لا بل وأكثر من هذا، يعلّمنا آباء الكنيسة العظام بأنّ المعُطي بحاجة إلى المُعطَى له لكي يتحرّر من تعلّقه بالممتلكات الأرضيّة واستعباده للمال، وتاليا فالمعطي يتشكّر من تقبّل عطاءه لأنّه سمح له بالعطاء المغبوط. 
أسوق هذه التأملات اليوم بسبب دخولنا في أسبوع أحد الدينونة، أو مرفع اللحم شعبيّاً. يعلّمنا إنجيل هذا الأحد أنّ دينونتنا، وتالياً خلاصنا، مرتبطان بالآخر صميميّاً. "كنت جائعاً فأطعمتوني، عطشاناً فسقيتموني، مريضاً فزرتموني...إلخ"(مت 24). هذا تعليم إنجيليّ أساسيّ يعرفه الجميع، لكن المهمّ أن يطبّقه الجميع! 
أحد أسباب ضعف بعد المحبّة التطبيقي هذا هو عدم التنشئة عليه. لا يكفي التعليم النظري حتّى يصير السامع كريماً سخيّاً ومتحسّساً لآلام الآخرين. هذه الفضائل تحتاج إلى تربية وتدريب، لكي ما، بعد أن تُغرس نظرياً في النفس الإنسانيّة، تنمو بالتدريب والقدوة شيئاً فشيئاً، لتصير من سمات صاحبها وصفاته.
ثمّة مفهوم خاطئ عند بعضهم ينطلق من فهم منقوص للقول الإنجيلي "لا تعرف شمالك ماذا فعلت يمينك". يخفي بعضهم مشاركته للمحتاجين عن أولاده حبّاً بعدم معرفة فعله الخيِّر. القولة الإنجيليّة المذكورة تعني ألّا تفتخر بصدقتك ولا تطلب مدح الناس، ولا تعني ألّا تدرّب ولدك على الاقتداء بك بعمل المحبّة. دع ولدك يقتدي بك وينشأ على مثالك. 
كثيرون لم يتلقّوا تربية عمليّة على التفكير بالآخر واحتياجاته، لذا تراهم يواجهون صعوبة في تطبيقها متى بلغوا. كيف ندرّب أولادنا منذ صغرهم على العطاء والاهتمام بحاجات الآخرين وأحوالهم؟ البيت والكنيسة مدعوّان إلى استنباط طرق عمليّة تنشّيء الأولاد على نمو هذا الحسّ المهمّ في نفوسهم. 
لماذا يدرّب المؤمنون في الغرب أولادهم على توفير قسم من مصروفهم في الصوم بغية إرساله إلى محتاج من سنّهم من البلاد الفقيرة ونحن لا نفعل هذا؟ أعرف شاباً في الغربة يرسل ليرة ذهبية أو أكثر كلّ سنة في الصوم لفقراء كنيسته، لأنّه تعلّم قرن الصوم بالعطاء منذ أن كان طفلاً في مدارس الأحد في رعيّته! لقد تعلّم العطاء من خلال صندوق الصوم الكرتوني الذي اعتادت كنيسته توزيعه على أبناء الرعيّة وبناتها.
آخرون يمتنعون عن العطاء بحجّة عدم توفّر مبلغ ملائم (قدّ القيمة بحسب تفكيرهم). هؤلاء يحتجّون بعدم توفّر المال لديهم، أو بالأحرى، لنكن صريحين، يضحك الشيطان عليهم بهذه الفكرة حتّى لا يعطوا. وتمرّ السنين وأيديهم مقبوضة لم تتعلّم أن تفتح وتتخلّى عمّا عندها. يكبرون بخلاء وقد تتحسّن أحوالهم المادّية وتنعدم الحجّة إيّاها ويبقون بخلاء، لأنّهم لم يعتادوا على العطاء. السخي في القليل سخي في الكثير والعكس صحيح. 
تحكي قصّة بناء كاتدرائية آياصوفيا في القسطنطينية ما مفاده أنّ الله قًبِل تقدمة يتيمتين فقيرتين لم يكن بوسعهما سوى ترطيب كرات التبن الذي تأكله الجمال المتعَبَة من جرّاء نقل الحجارة من أجل بناء الكاتدرائية. كانتا تنقعان الكرات في ماء النبع الذي تستريح الجمال عنده قبل دخولها إلى المدينة. اقتبل الله هذه التقدمة الوضيعة وفضّلها على عطاء الامبراطور جوستينيان الذي بذل الذهب الوفير في سبيل بناء الكاتدرائية وكان يرغب في اطلاق اسمه عليها!
ليس الأمر بالكمّ بقدر ما هو بالحسّ. شعرت هاتان الفتاتان بحسّ عميق وقوي ببركة المساهمة في بناء الكاتدرائية ولم تستطيعا، بسبب فقرهما، تقديم أيّ شيء مادي سوى ما ذكرناه. 
إذا كنّا نقتّر في العطاء فلأنّنا لا نشعر بالمحتاج ولا نحسّ معه. قد نشفق بالكلام وتعابير الوجه، ويا ليتنا لا نشفق لأنّنا قد نجرحه كثيراً بنظراتنا المشفقة المتعالية الباردة والخالية من أيّ نبض إنساني، وفي الوقت ذاته، لا نترجمها عمليّاً، بل كثيراً ما نستعيض بها عن واجبنا. 
تجربة شيطانيّة مضلِّلة أخرى يقع فيها الكثيرون، وهي الاقتناع بأنّهم هم من يحتاج إلى المساعدة، وتالياً فهم مُعْفَون من واجب تقديمها. قد يصلون إلى حدّ القناعة الراسخة بأنّهم مُعْفَون منها كليّاً. 
يعلّمنا الإنجيل أن ما من إنسان إلا وبإمكانه أن يقدّم شيئاً مهما كان ضئيلاً. قلنا في البداية إنّ إيماننا يحثّنا على المشاركة في الخيرات لا على الإحسان من علو! 
في أحد أيّام الصيف، أتتني أرملة شابّة لها سبعة أولاد، بسلّة صغيرة من التين لا تزن أكثر من نصف كيلو، قطفته من شجرة أمام مسكنها الوضيع جداً، تريد تقديمها تعبيرَ شكرٍ لما تقدّمه المطرانية لها شهرياً. قبلت الهدية وأعدتها إليها قائلاً: إنّ أولادها بحاجة إليها أكثر منّي. أجابتني والدمعة في عينها: أرجوك دعني أشعر بأنّني أستطيع أن أقدّم شيئاً ما كغيري. خجلت من نفسي وتعلّمت ألا أرفض تقدمة من أحد، خاصّة إذا أتت من فقير. 
لكي نتعلّم ثقافة العطاء والمشاركة علينا أن نكون ذوي نفوس كبيرة. صغيرو النفوس عاجزون عن التخلّي عمّا بيدهم لأنّهم يستمدّون وجودهم منه، لا من الله. هؤلاء مقيّدون بما لديهم، ويركضون خلف تجميع ثروة واهمين بأنّها تحميهم. يجعلنا التملّك المادّي عديمي الحسّ بحاجات من حولنا، لأنّ اهتمامنا مصَوَّب فقط على أنفسنا. 
هل أفكّر بزيادة تقدمتي كلّما زاد دخلي؟ هل أهتمّ بتقديم قسم ممّا يأتيني لمحتاج إليه؟ هل أنظّم حياتي بتخصيص نسبة محدّدة من مدخولي لعمل خيريّ، باعتباره حدّاً أدنى ألزم نفسي به؟ 
بعض أسئلة تتحدّانا ونحن نتهيأ لدخول الصوم الكبير.