كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

سأل أحدهم شيخاً: طالما أنّي أحبّ الله وأسعى بكلّ طاقتي لأكون صالحاً، لماذا علي التقيّد بالتحديدات الإيمانيّة؟ فأجابه الشيخ: لأنّها ترسم لك الطريق المؤدي إلى خلاصك يا بنيّ. أنت، كإنسان، معرّض في كلّ حين لأن تخلط ما بين رؤاك الشخصيّة والكشف الإلهي والإيمان الذي تسلّمته من القدّيسين. التحديدات الإيمانيّة تحفظك من الضلال والوقوع في تجربة خلق إله يرضي هواك، وتالياً يتساهل مع شهواتك، ما يعيق خلاصك وقداسة حياتك.
تحتلّ استقامة الإيمان في المسيحيّة الأرثوذكسيّة مكانة عظيمة. مات الملايين، عبر التاريخ، لأنّهم ما قبلوا أن يخونوا الإيمان المستقيم أو يحيدوا عنه. ومات الألوف وما قبلوا أن يدنّسوا إيمانهم وتعبيراته. للتحديدات العقائديّة أسباب موجبة، دفعت الكنيسة إلى صياغة قوانين إيمان تحفظ الرؤية الإلهيّة الخلاصيّة سالمة. من المهمّ أن نتذكّر أنّ الكنيسة لم تَسعَ إلى صياغة قوانين الإيمان إلا بعد انتشار الهرطقات والتفاسير المنحرفة المضلِّلة، وذلك حفظاً لصفاء الإيمان. بدأت البشارة المسيحيّة بقانون الإيمان القائل إنّ المسيح مات وقام من بين الأموات لأجل خلاص البشر. هذا كان التحديد الأساس الذي قامت البشارة المسيحيّة عليه.
لكن، سرعان ما بدأت التفاسير الغريبة والمتأثرة بالفلسفات السائدة بالانتشار. في كل مرّة تهدّد فيها الإيمان المستقيم، كانت الكنيسة تدعو إلى انعقاد مجمع كنسيّ عامّ يبحث في التعليم المنتشر ويحدّده في قانون إيمان واضح يسهل حفظه. عُرفت المجامع الرئيسة بالمسكونيّة، أي العالميّة، حيث كان أساقفة المسكونة قاطبة يجتمعون سويّاً لبحث القضيّة المطروحة. 
هكذا صيغ القسم الأول من قانون الإيمان المعروف "أؤمن بإله واحد ..." في المجمع المسكوني الأوّل (325 م)، والقسم الثاني "وبالروح القدس الربّ المُحيي..." في المجمع المسكوني الثاني (381م). 
هذا لا يعني أنّ الجماعة المسيحيّة الأولى لم تعرف قوانين إيمان قبلاً. لقد عرفت العديد منها ورتّلها المؤمنون في صلواتهم الجماعية، وبخاصّة خدمة كسر الخبز، أعني القدّاس الإلهي. كذلك ضمَّن بولس الرسول رسائله العديد منها، مثل نشيد المسيح في رسالة فيليبي(2/6-11). 
ما سبب نشوء الهرطقات؟ هي أسباب كثيرة ولا شكّ. لكن على الصعيد الشخصي يُعتَبر الكبرياء أهمّها. يرفض المعتدّ بذاته تعليم الجماعة المؤمنة، ويدفعه مجده الباطل إلى البروز والإتيان بتفسير حتّى لو تناقض مع التعليم القويم المسلَّم من الرسل.
أمّا على الصعيد الواقعي، فثمّة أسباب كثيرة، ليس أقلّها محاولة شرح الإيمان وتبسيطه وصولاً إلى التأثّر بالأفكار العالميّة السائدة، من فلسفات ونظريّات، أكثر من التأُثّر بالروح القدس الحيّ والفاعل في جسد المسيح الحيّ: الكنيسة، ناهيك عن اختلاف المفاهيم واللغات والمصالح بين الشعوب المختلفة. 
حافظت الأرثوذكسيّة على المبدأ القائل إنّ اللاهوت هو ثمرة معاينة الله، لا ثمرة تفكير عقليّ بحت، ونتيجة إعمال العقل وحده في البحث والتفسير. من هنا المقولة المتداولة في العالم الأرثوذكسيّ "اللاهوتي هو الذي يصلّي"، والمقصود بها أنّ عشرتنا لله وقداسة الحياة تستدعيان فعل الروح القدس وإلهامه، وتالياً تفسير الإيمان الصحيح. 
هذا لا يعني أنّ الأرثوذكسيّة ترفض العقل. فالفارق بين آباء الكنيسة وغيرهم من القدّيسين يكمن في أنّ آباء الكنيسة تقدّسوا وصاروا آنية للحضور الإلهي كغيرهم من القدّيسين، لكنّهم كانوا أيضاً ذوي عقول مستنيرة روحياً ومثقَّفة بعلوم الدنيا. لقد ملكوا من العلم والثقافة ما أهلّهم لأن يسكبوا الخبرة الإلهيّة التي عاشوها في تعليم واضح يفهمه الشعب المؤمن ويتبنّاه ومن ثمّ يحياه. ليس جميع القدّيسين ذوي عقول متّقدة ومعرفة ثقافيّة رفيعة، لكن جميعهم اختبروا فعل الله الحيّ في نفوسهم، وعرفوه بالروح القدس.
تدخل محاولات شرح الإيمان وتقديمه لكلّ زمن بلغته، ولو أنّها عملية لا تخلو من المخاطر، في صلب رسالة الكنيسة. في محاولة تقديم الإيمان إلى شعب محدَّد أو نوعيّة معيّنة من البشر، تضطرّ الكنيسة إلى استخدام اللغة التي يفهمها السامعون، وإلا لا تصل البشارة. في هذا السياق قد يخطئ بعضهم في بعض الأمور، وقد يكون شرحه ناقصاً، وقد ينساق مع التيار السائد!! آنذاك من يُصلح ويُقَوِّم؟ الكنيسة، ومَا هي الكنيسة؟ هي عمل الله في الجماعة المؤمنة. 
عرف تاريخ الكنيسة الكثير من الأفكار التي سادت في زمن معيَّن هنا وهناك، لكنّها لم تَدُمْ، لأنّها ليست قويمة ولأنّ شعب الله قد رفضها بقوّة الروح القدس الفاعل فيه وفي قدّيسيه.
ثمّة خلط غير واعٍ، عند بعض المؤمنين، بين التحديدات الإيمانيّة الرئيسة والتقاليد الشريفة (لا التقليد الشريف) الحيّة المعاشة والتي صيغت تجاوباً مع الحاجات التي فرضها تغيّر الأوضاع والظروف في كلّ زمان ومكان. تسعى الكنيسة في سياق حفظها للإيمان إلى أن تبقيه حيّاً وخلاصيّاً لحياة المؤمنين وفي نفوسهم. لذلك فهي تتمسّك حتّى الشهادة بالإيمان الأساس، وتساعد المؤمنين، بحسب أوضاعهم، في التكيّف مع ما يجعل الإيمان المحفوظ بأمانة حيّاً فيهم. 
إقامة القدّاس المسائي في الرعايا، على سبيل المثال، لم تكن معروفة سابقاً. لكن أوضاع العمل في المدن باتت تمنع المؤمنين من المشاركة في القدّاس المقام صباحاً. هذه إحدى مشاكل الرعايا التي على الكنيسة مواجهتها بجدّ واهتمام. ليس الجواب المناسب سهلاً دائماً، وإنّما يتطلّب صلاة وبحثاً ودرساً ومتابعة لتعديله عندما لا يحقّق الهدف المرجو منه. توقيت القدّاس الإلهي أمر يمكن تعديله، أمّا عقيدة القدّاس القائلة باتّحاد الله بالمؤمنين في المناولة المقدّسة، فلا يمكن تعديلها. 
سأضرب مثالاً آخر، أّذكر في طفولتي أنّ معظم الناس ما كانوا يشاركون في القدّاس الإلهي عندما يقيمون ذكرى الثالث، والأربعين، والسنة وما إليها لموتاهم. كانوا يأتون في نهاية القدّاس للمشاركة في صلاة النياحة التي تقام بعد القدّاس الإلهي، في خدمة منفصلة. في سبعينيّات القرن الماضي نقل بعض الأساقفة خدمة النياحة إلى قلب القدّاس، ووضعوها بعد قراءة الإنجيل، لكي يعرف الناس أنّ أحبّتهم الراقدين يُذكرون في الذبيحة الإلهيّة ويشاركون فيها تالياً. اليوم وبعد انتشار وعي هذا الأمر قد تُعاد الخدمة إلى ما كانت عليه أو تبقى لا فرق. هذا ليس فيه انتقاص للعقيدة والإيمان القويم، بل هو عمل تربوي لرفع سويّة المؤمنين الروحيّة.
ثمّة خوف من أيّ مقاربة رعائيّة عند بعضهم، وتساهل وتسرّع غير مُبَرَّرَين عند بعضهم الآخر. يُسهم الطرفان، إذا تكاملا، في جلاء مشيئة الله وإلهامه ليبقى الجميع على الاستقامة المنشودة.