كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

للصوم الكبير ترتيب ليتورجيّ ذو وجه عمليّ وتربويّ يخدم لاهوت الصوم بامتياز. من خصائص هذا الصوم أنّ القدّاس الإلهي لا يُقام فيه في أيام الأسبوع الخمسة الأولى من كلّ أسبوع (من الاثنين حتى الجمعة). لهذا الترتيب لاهوت مبنيّ على اختبار الصوم فترة توبة وترجٍّ وعودة إلى الفردوس المفقود، رحلة نحو الفصح. إنّه التعبير الأسمى لحالة الكنيسة على الأرض: إنّها في ارتحال وسفر، في طريقها إلى الملكوت السماوي.
أمّا القداس الإلهي، فهو فرح الاحتفال بقيامة المسيح، إنّه سرّ مجيء المسيح وحضوره بين تلاميذه. فرح القيامه هذا، الذي نعيشه في القدّاس الإلهي، يتعارض مع مناخ الصوم القائم على التوبة والترّقّب. لا تتّسع هذه المقالة لتعمّق أكبر في هذا الأمر. 
ولأنّ الجهاد الروحي يتكثّف في اكتساب التنقية والتطهير والتوبة على الصعيد الشخصي، يحتاج المؤمن إلى غذاء روحيّ دونما انقطاع. المناولة المقدّسة هي نبع حياتنا الروحيّة وقوّتها الداعمة. ففي رحلتنا الصياميّة نحتاج إلى سند ومساعدة، إلى قوة وتعزية. في معركتنا ضد قوى الظلمة والشرّ، لا غنى لنا عن جسد الربّ ودمه، فهما الغذاء الجوهري الذي يحفظ حياتنا الروحيّة على الرغم من جميع التجارب والمخاطر.
وبالضبط، لأنّ المناولة المقدّسة هي الغذاء الروحيّ الأهمّ، فقد ارتأت الكنيسة ألا يُحرَم المؤمنون من هذا الغذاء في أيّام الأسبوع الخمس الأولى، فوضعت خدمة القدّاس المسَمّى السابق تقديسه. 
لا تُقام الذبيحة الإلهيّة في هذه الخدمة، بل تُحفظ الذخيرة المقدّسة من يوم الأحد السابق. يقوم قدّاس السابق تقديسه على خدمة غروب اليوم الذي يُقام فيه، مضافاً إليها عدد من الطلبات والتضرّعات والأفاشين الخشوعيّة التي تتضمّن روح الصوم الكبير ولاهوته. وتتمّ المناولة المقدّسة في آخر الخدمة.

يُقام هذا القدّاس يومي الأربعاء والجمعة من كلّ أسبوع من أسابيع الصوم الكبير. ولأنّ يومي الأربعاء والجمعة يوما صيام كامل (صوم انقطاعي عن الطعام والشراب، وصوم نسكي مقتصر على النباتيّات) ولأنّه، في هيكله الأساسي، خدمة صلاة غروب، فهو خدمة مسائيّة بامتياز. 
تقيم معظم الرعايا، حاليّاً، قدّاس السابق تقديسه يوم الأربعاء مساء والجمعة قبل الظهر. وتشهد أيّام الأربعاء من الصوم الكبير مشاركة كبيرة من المؤمنين فيه. إنّه قدّاس خشوعيّ جميل جدّاً ومؤثّر، لا سيّما إذا أُقيم بهدوء وقراءة واضحة وروح صلاتيّة، يحمل بهاء الصوم وروحانيّته.
أخذت خدمة هذا القدّاس رويداً رويداً تلك الأبّهة وذلك الجمال الفريد اللذين جعلاه القمّة الروحيّة للعبادة الصياميّة، كما يقول الأب ألكسندر شميمن لاهوتي الليتورجيا الأهمّ في القرن العشرين. وهو نفسه أحبّ الليتورجيا وكرّس نفسه لها، انطلاقاً من تأثره وهو طفل بهذا القدّاس وترتيلة "لتستقم صلاتي كالبخور..." بشكل خاصّ.
يبقى موضوع الصوم قبل المناولة مطروحاً في هذا الإطار: كيف نصومه؟
لنعدْ، أوّلاً، إلى مبدأ الصوم قبل المناولة بعامّة في الروحانيّة الأرثوذكسية، والكلام للأب شميمن:
فهمت المسيحيّة منذ بدئها الصوم الكليّ (الانقطاع عن الطعام والشراب) حالة تحضير أو توقّع، انتظار، أي تلك الحالة الروحيّة لما سيتم. الجوع الجسدي هنا يقابله ذلك التوقّع الروحي لما سيتم، ذلك الانفتاح الكياني للفرح الآتي. ولذا نجد في التقليد الطقسي للكنيسة هذا الصوم الكليّ في التهيئة الأخيرة لعيد عظيم أو لحدث روحيّ حاسم، كتهيئة (بارامون) عيدي الميلاد والغطاس. كما نجده أيضاً في الصيام الإفخارستي (قبل المناولة). إنه الطريقة الأساسيّة لتهيئتنا للعشاء الربّاني على مائدة المسيح في ملكوته. 
يشكّل الصوم الإفخارستي بالنسبة للكنيسة شرطاً جوهريّاً لاقتبال المناولة. وإذا كان الصوم على هذه الأهميّة، فإنّه يفقدها إذا ما تعاطينا معه باعتباره مجرّد قاعدة فيزيولوجيّة أو قانونيّة. إنّه بمثابة "التأهّب". الكنيسة تبقى ساهرة لأنّها تتوقّع العريس وهي تنتظره بتأهّب وفرح. لذلك يخطئ مَنْ يقارب هذا الموضوع من زاوية قانونيّة أو فيزيولوجيّة بحتة، وذلك بحساب عدد الساعات التي تستغرقها عملية الهضم وتمثّل الطعام. هم يخطئون في مقاربتهم لأنّ الأمر روحيّ لاهوتيّ تربويّ. فالمعدة الفارغة تساعد الذهن على التيقّظ والتنبّه، وتالياً تغذّي الشوق والاستعداد للقاء الربّ. هنا بالضبط تكمن ضرورة الصوم الإفخارستي وأهميّته.
هنا تحضرنا تساؤلات لا بدّ منها، لكي تبقى الممارسة الحاليّة حافظة لهدف تقوية المؤمنين وتشديدهم ودفعهم إلى الجهاد الروحي المنقّي الخلاصي، واستنارتهم بنور الربّ القائم من بين الأموات. 
وُضع هذا القدّاس من أجل الصائمين المجاهدين. حسناً، لماذا غير الصائمين يحتاجون إلى غذاء أكثر طالما أنّهم لا يجاهدون؟ إذا كان معظم المؤمنين يقضي نهاره في العمل أو المدرسة أو الجامعة من سيشارك في هذا القدّاس إذا ما أُقيم ظهراً بحسب ما درجت العادة قديماً؟ يُقام في الأديرة ظهراً لأنّ الرهبان موجودون في أديرتهم! أمّا في الرعيّة، فالواقع مختلف. 
أمر آخر غاية في الأهميّة يكمن في السؤال عموماً حول ظاهرة الإقبال على المناولة المقدّسة والإحجام عن سرّ التوبة (الاعتراف). إذا كان الشوق إلى لقاء المسيح في سرّ الإفخارستيّا عظيماً إلى هذا الحدّ، ألا يجب أن يكون حسّ التوبة عالياً بسويّة مماثلة؟ إذا أهمل المؤمن ممارسة سرّ التوبة، كما هو حاصل، أفلا يجد الشكّ موضعاً له في علامات استفهام كثيرة حول ظاهرة الإقبال على المناولة المقدسة والإحجام عن سرّ التوبة؟ وهل من سلوك سليم وخلاصي فيها؟ 
يُطرح السؤال بشدّة حول الصوم الاستعدادي للمناولة. في القدّاس الصباحي، ينقطع المؤمن عن الطعام والشراب منذ استيقاظه وحتّى إتمام المناولة المقدّسة. كيف يكون هذا الاستعداد إذا ما أُقيم القدّاس مساء؟ في زمننا الحالي، مع تقدّم علم الطبّ والأدوية، صار الكثيرون مضطرّين إلى تناول بعض الأدوية عند استيقاظهم، "على الريق" أو مع لقمة خفيفة. ماذا يفعل المؤمنون في حالة كهذه؟ كيف يستعدّون ويصومون؟
وإذا ما انقطع المؤمن عن الطعام والشراب لساعات محدّدة قبل القدّاس فهل يستطيع البقاء من دون شراب إذا كان قد تناول غداء ثقيلاً حتّى لو كان صياميّاً؟ 
يبقى الجواب العامّ رهناً بتعليم الكنيسة الرسمي بالصوم شبه الكامل طوال اليوم. أمّا الجواب الشخصي المتعلّق بالحالة الشخصيّة، فيبقى رهناً بإرشاد الأب الروحي وتوجيهه. 
لا بدّ أخيراً من التذكير بأنّ الإرشاد الشخصي غير قابل للتعميم.