كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

ورد في سيرة القدّيس سلوان الآثوسيّ أنّ اختصاصيّاً في اللاهوت الكاثوليكيّ، زار الدير مرّة، وكانت له أحاديث معمَّقة وطويلة مع أحد آباء الدير، حول مسائل عديدة تتعلّق بحياة الجبل المقدّس (آثوس). تعجّب كثيراً عندما علم أنّ الرهبان الأرثوذكس، بمن فيهم القليلي العلم، يقرأون كتب الآباء مثل يوحنا السلّمي ودوروثيوس غزّة واسحق وأفرام السوريين... إلخ، فقال لمحاوره الآثوسيّ: أيقرأ رهبانكم هذه الكتب؟!...عندنا، الأساتذة وحدهم هم الذين يطّلعون عليها.
نقل الأب المحاوِر هذا الحديث إلى القدّيس سلوان، فعلّق بقوله:
"كان بإمكانك القول لهذا الاختصاصي في اللاهوت، إنّ رهباننا ليس بإمكانهم فقط أن يقرأوا هذه الكتب، بل أيضاً يستطيعون أن يكتبوا، هم أنفسهم، ما يشابهها... وإن حدث وفُقدت هذه الكتب، لسبب أو لآخر، فالرهبان، إذّاك، يعيدون كتابتها مجدَّداً بكلّ سهولة!...

تكشف هذه الحادثة مدى التباين بين مقارَبَتين لله شديدتي الاختلاف بين الشرق والغرب المسيحيَّين. فثمّة نهجان مفترقان في مقاربة الله؛ واحدهما شرقيّ والآخر غربيّ.
يقوم النهج الشرقيّ على عيش حياة الصلاة والتنقية وتقويم الأهواء بعد التحرّر من انحرافها بعد سقوط الإنسان من الفردوس. يشترك الجسد في هذا النهج بالأصوام والسجدات وما إليها، بما يُسمَّى في علم اللاهوت "حياة النسك" بعامّة. يتبع هذا النهج خبرة آباء الكنيسة القدّيسين الروحيّة والمتواصلة، دونما انقطاع، من القرون المسيحيّة الأولى وصولاً إلى زماننا المعاصر.
بحسب الإيمان الأرثوذكسيّ لم يتوقف عصر الآباء عند زمن ما. بحسب اللاهوت الغربيّ انتهى عصر الآباء مع القدّيس يوحنّا الدمشقي في القرن الثامن!
تقوم مقاربة الله أساساً، في الشرق المسيحيّ، على ما يُعرف بدرجات التنقية والاستنارة والتألّه. هذا كلام أرثوذكسيّ بامتياز. فالإنسان يتنقّى ويتطهر ويسمو باتّباع حياة النسك المألوفة في الكنيسة الأرثوذكسيّة؛ أي حياة التوبة المستمرة بأعمق معانيها.
أمّا المسيحيّة الغربيّة التي انقطعت عن هذا التراث الحيّ المعاش بعد الانشقاق الكبير، فقد بدأت بالميل نحو الاعتماد على العقل والعاطفة أكثر فأكثر في معرفة الله ودراسة اللاهوت. ففُقدت فيها الخبرة التراثية الحيّة شيئاً فشيّئاً، ونُسي آباء الكنيسة طويلاً، ولم يُعَدْ اكتشافهم، نظريّاً، إلّا مع بدايات القرن العشرين. 
غياب التعليم الآبائي واستبداله بمعلّمي لاهوت وروحانيّة لا يعرفون تراث السنوات الألف الأولى للمسيحيّة، بمعناه الحيّ المعاش، ساهم في جعل اللاهوت الغربي يغرق أكثر فأكثر في السكولاستيكيّة، أي اللاهوت النظامي القائم على المنطق والقانون. 
أنتج هذا اللاهوت رؤيةً تزدري الجسد ومنطقاً قانونيّاً في مقاربة التوبة والحصول على غفران الله وأخلاقيّةً متشدّدة إلى حدّ التزمّت.
***
لعلّ الخلاف حول سكنى نور الله غير المخلوق في الإنسان أكثر ما يُظهِر هذا التباين في المقاربتين الروحيّتين. فالمسيحيّة الأرثوذكسيّة علّمت بأنّ الإنسان المجاهد يختبر، بنعمة الله، ما اختبره الرسل المرافقون للربّ في حادثة التجليّ المعروفة. وتالياً فالله هو من يُعرِّف الإنسان به، وذلك عبر نوره الإلهي غير المخلوق. فقالت بانحدار الله عبر نعمته إلى الإنسان ليرفعه إليه.
أمّا المسيحيّة الغربيّة، فرفضت سكنى النور الإلهي غير المخلوق في الإنسان [استبدل الروم الكاثوليك، بعد انضمامهم إلى روما، تذكار أحد القدّيس غريغوريوس بالاماس، في تقويمهم الليتورجي، بتذكار جامع للقدّيسين. يُعتبَر القديس بالاماس هرطوقي في الكنيسة الكاثوليكيّة].
***
توسّل العالم المسيحي الغربي القربى من الله بالعبادة المرتكزة على العواطف والتأمّل الفردي والصمت وإذلال الجسد. قال بالصعود إلى الله [تتمركز العمارة الأرثوذكسية على القبة التي ترمز إلى غمر الله لشعبه في الصلاة، بينما تقوم العمارة اللاتينية على السقف المدبب (جمالون) رمزاً لصعود المصلّين إلى الله]. أدّى هذا التعليم إلى ظهور طغمات رهبانيّة مختلفة، لكلٍّ منها روحانيّته المميِّزة والمختلفة. كما أوجد مدارس روحيّة متنوّعة، لكلٍّ منها نهجه الخاصّ وروحانيّته المتّسمة به. وسادت روحانيّة التدريبات القائمة على تبنّي تمارين روحيّة محدّدة، فرجحت كفّة الهدوئية الخارجية، وطغت الآداب واللياقات والأصول على تطهير الإنسان من الداخل.
أمّا العالم المسيحيّ الشرقي، فحافظ على منهج الهدوئيّة الداخليّة، القائم على تطهير الإنسان بحياة النسك والتحرّر من الأهواء، لجعله أهلاً لاستقبال نور الله ونعمته والبلوغ إلى الملء الروحيّ الحقّ.
بقي الشرق المسيحيّ يحيا على الخبرة المتواصلة غير المنقطعة التي اكتسبها طوال الألفيّة الأولى، ويزيدها غنى على غنى. وبقيت واحدة في نطاق الكنيسة الأرثوذكسيّة أينما وُجدت.
للأسف، عرفت هذه الخبرة الحيّة، في بعض الأزمنة تحجّراً عند بعضهم: أي اكتفاءً بالممارسات النسكيّة وكأنّها هدف بحدّ ذاتها وعدمَ القدرة على تجسيد ثمارها الروحيّة على الصعيد السلوكي. يعود السبب في ذلك إلى الانحطاط اللاهوتي الذي أدّت إليه الأحوال التاريخيّة القاسية التي عرفتها البلدان الأرثوذكسيّة على مدى قرون طويلة. يشهد العالم الأرثوذكسي حالياً انغلاقاً قاتلاً بحجّة الحفاظ على نقاوته، ما يعرقل ويشوّه شهادته التي يحتاجها عالمنا المعاصر أكثر من أي وقت مضى. 
****
انفتحت الكنيسة الغربيّة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني (ستيّنيات القرن العشرين) على العالم، وبدأت في مواجهة التحدّيات العالميّة الجديدة ومخاطبة العالم المعاصر بعقليّة لا تختلف عن السابقة، وإنّما في الاتجاه المعاكس: باستعارة صورة هندسية نقول إنّها انتقلت من الدرجة صفر إلى الدرجة 180. فعلى سبيل المثال، بعد أن كانت تعلِّم بتعذيب الجسد وإماتته في الأصوام والجلد والإماتات، ألغت الأصوام واستبدلت الجهاد النسكي الجسدي بجلسات الصمت والتأمّل والموسيقى والأجواء العبادية التي تلامس المشاعر باعتبارها تقنيّات لرفع الإنسان إلى حضرة الله.
لم تملأ هذه التقنيات نفس الإنسان المعاصر، فبدأ بالتوجه نحو استعارة مناهج وتقنيات روحيّة من الأديان الأخرى: التوحيديّة وغيرها. تزايدت هذه التأثيرات في المسيحيّة الغربيّة، إلى حدّ تبنّي تقنيات غريبة عن التراث المسيحي الروحي. يذكر الكثيرون في سوريا إدخال الأب فرانس اليسوعي "اليوغا" في رياضاته الروحيّة للشبيبة! بينما بقي الشيخ صفروني (+1993)، حتّى نهاية حياته (97 سنة) يبكي خطيئته لأّنّه اتّبع، في شبابه، منهج "اليوغا" الذي أوصله إلى رؤية الشيطان!!