كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

في وسط الطريق بين تسالونيك وكافالا (اليونان) ينتصب، أمام الأوتوستراد، مبنى ضخم جدّاً من عدّة طبقات، تقف إلى جانبه كنيسة واسعة وملاعب وساحات: إنّه بيت أخويّة "ليديّا". ليديّا هذه أول أوروبيّة آمنت بالمسيح واقتبلت المعموديّة على يد بولس الرسول في مدينة فيلبّي. وردت قصّتها في سفر أعمال الرسل (16/14) وعُرفت بليديّا بائعة الأرجوان. 
تتألّف أخويّة "ليديّا" من عدد كبير من الأخوات اللواتي كرّسن ذواتهن لخدمة الكنيسة في المجال الخدمي: رعويّاً وتعليميّاً وتربويّاً وبشاريّاً...إلخ. تقيم بعضهن في "ديرهن" هذا بشكل دائم، وتتردد الباقيات في عطل نهاية الأسبوع والعطل الرسميّة والأعياد على هذا البيت الرئيس. منهنّ الطبيبة والمهندسة والمعلمة والإعلاميّة. لهن تلفزيون أرثوذكسيّ يقمن على إدارته. عندما زرتهنّ كنّ يستقبلن، دوريّاً وعلى مدار الصيف، ثلاثمئة ولد وبنت من كوسوفو والبوسنة ليقضوا ثلاثة أسابيع في مخيّم ترفيهي وتأهيليّ بعد الحرب البشعة التي شهدتها بلادهم.
جدير بالذكر أنّ هذا المركز الشاهد على الخدمة وتنوّعها يقع مقابل البحر، وله نفق تحت الأتوستراد يؤدي إلى الشاطئ، حيث تتوفّر للأولاد فرصة السباحة والاستفادة من أشعة الشمس. 
تعيش الأخوات من عملهنّ. فالمقيمات الدائمات يعملن في المطبعة خاصّتهن وهي الأكثر تطوّراً وتقنية في اليونان. جميع كنائس اليونان تطبع عندهن ما يلزمها. يدخل الكتاب قرصاً مدمجاً ويخرج، بعد سلسلة عمليّات تقنية ذاتيّة في آخر السَّيْر الطويل جدّاً، مجلّداً تجليداً فنيّاً. أمّا الأخوات غير المقيمات بشكل دائم، فتضعن مدخولهن في صندوق هذه الأخويّة.
يتبعن في برنامجهنّ الصلاتي اليوميّ الترتيب الليتورجي الأرثوذكسيّ الرهباني. فصلاتهنّ المشتركة وقانونهنّ الفردي هو ذاته الذي تتبعه الرهبنات الأرثوذكسيّة. لكنهنّ، بسبب خدمتهنّ التي تتطلّب حركة دائمة وخروجاً من "الدير"، فهنّ لا يلبسن الزي الرهباني التقليدي، بل تنورة طويلة مع قميص وجاكيت أظنّهما بلون كحلي، ويعقفن شعورهن بشكل كعكة وراء الرأس. 
تأسّست هذه الأخويّة في العام 1959 بهمّة وإرشاد أبيهن الروحي آنذاك، وقد رافقهن حتّى رقاده. وجهه أبيض نوراني يشعّ سلاماً وهدوءاً وفرحاً. سَبَّبَ وجودهنّ سجالاً داخل الكنيسة. هنّ يدعين أنفسهنّ رهبنةً لكن بعض كبار رموز الرهبنة اليونانيّة يرفضون رهبنتهنّ، باعتبار أنّ الرهبنة الأرثوذكسيّة تقليديّاً هي رهبنة تأمليّة لا عاملة. السجال بينهن وبين الأب جورج كبسانيس، رئيس دير غريغوريّو الشهير في جبل آثوس، صار على شكل كتب منشورة: كان الطرفان يتساجلان بواسطة تأليف الكتب وكلّ يحاول إثبات وجهة نظره. 
في حواري وذاك الشيخ الفاضل، مؤسّس الأخويّة، وبعدما استعلمت منه عن خدمتهن المتنوعة وزيّهنّ وبرنامجهنّ، قلت له لماذا الإصرار على تسمية الأخوية بالرهبنةً؟ واقترحت عليه تسميتها بالشمّاسات. بقيت خدمة الشمّاسات فاعلة وحاضرة في كنيستنا حتّى أواخر القرنين السابع والثامن. واستمرّت بشكل غير منتظم، هنا وهناك، إلى ما بعد القرن العاشر.
أذكر أنّني، في سياق حوارنا، قلت له: هنّ يخدمن في العالم وتالياً يشابهن في خدمتهنّ الرهبنات اللاتينيّة العاملة. (لا يستخدمون في اليونان كلمة كاثوليكيّ للدلالة على الكنيسة الغربيّة). سرعان ما احمرّ وجهه، رافضاً كليّاً هذا التشبيه. أحسست بأنّني جرحته، فاعتذرت، ثم حاولت توضيح فكرتي بشرح مفهوم الرهبنات اللاتينيّة (والكاثوليكيّة) العاملة. أذكر ممّا قلته له آنذاك إنّ الكثيرات من هؤلاء الأخوات اليوم بتن يستعملن صفة "مرسلات" لا "راهبات"، وفي أوساطهنّ الداخليّة يطلقن على مقرّ إقامتهن صفة البيت لا الدير. 
ظلّ على رفضه كمن قد اتُهم بالهرطقة أو بأمر معيب. لأكتشف أنّه لا يعرف شيئاً عن الرهبنات الغربيّة ولم يحتَكْ بأيّ منها في حياته. شرحت له بهدوء ماهيّة هذه الرهبنات وخدمتها في الواقع اللاتيني المعاصر. فتقبّل الكلام وأعجبه اقتراحي بأن تُدعى الأخويّة "أخوية شماسات"، خاصّة وأنّ عمل الكنيسة الخَدَمي يُدعى باليونانيّة "خدمة الذياكونيّا". وإذا ما عرفنا أنّ لفظة "ذياكون" تعني الشماس يصير الأمر أشدّ وضوحاً.
لست أفهم سبب الخوف المميت، الذي يكاد أن يصير رعباً من كلّ ما لم ننشأ عليه، على الرغم من التراث الغني الذي نملكه!! ينشئ الخوف تحجّراً يعيقنا عن قراءة علامات الإحياء الإلهي، كما يحارب كلّ جديد تحتاجه الكنيسة والمجتمع المعاصر شهادةً حيّة للخلاص الذي أتى به المسيح. ألا يحجر هذا الموقف الجامد على عمل الروح القدس ويحصر فعله في إطار محدّد يختاره له الإنسان؟
ظهرت عدّة محاولات تتجاوب مع حاجات المجتمع في الكنيسة. فعلى سبيل المثال، أسّست القدّيسة إليزابت الدوقة، في موسكو، أخوية "مريم ومرتا" التي يتوزّع برنامجها الحياتي على الصلاة وخدمة المرضى الفقراء. ذهبت الثورة البلشفية بالأخويّة، لكنّها استعادت نشاطها اليوم مع تطوير في خدمة المرضى، أوجده تغيّر نمط الحياة ما بين أوائل القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين. 
لست أدعو إلى التسرّع. فمن ميزات كنيستنا الأرثوذكسيّة أنّ التقليد الشريف فيها متين ومتجذّر. هذه نعمة عظمى لأنّ رسوخ التقليد يحمي الكنيسة من أن تنساق بسهولة مع أي تغير يطرأ، كما يقيها من التأثر بالمتغيرات الفكريّة والإنسانويّة والقيميّة (الأخلاقيّة). لكن رسوخ التقليد الشريف يجب أن يدفعنا إلى الارتفاع إلى مستوى الحياة بالروح القدس، خاصّة وأنّ التعريف الأرثوذكسي للتقليد الشريف أنّه عمل الروح القدس الحيّ في الواقع التاريخي للكنيسة.
الأمر الثاني الذي نستبينه من اللقاء المذكور هو أنّ البعد الجغرافي إذا ما تزامن مع البعد التاريخي فهما يجعلان الإنسان على جهل تامّ بأخيه، ممّا ينمّي فيه الشعور بالعزلة التي تبرّر وجودها بالاعتقاد بأنّه وحده حامل لمشعل الحقّ والأمانة ويحرم غيره من افتقاد الله. قد يفعل الإنسان هكذا من دون قصد، وكأنّ الروح القدس ملكه وخاصيّته الشخصيّة، وتالياً يرى في الآخر صورة مشوَّهة على غير حقيقتها.
إذا ما استولى عليك الحبّ الإلهي، ووجد الروح القدس مسكناً له فيك، ترى إلى الآخر صورة لخليقة الله على درب استعادة الصورة الإلهيّة، وترى فيه من افتقادات الله ما لم يخطر ببالك. هو أيضاً من خليقته ومدعو إلى الخلاص.