كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

+ ثمّة أسئلة لابدّ من مواجهتها.
هل استمرار الرؤية المستقيمة وكمالها في الكنيسة الأرثوذكسيّة يعني انتفاءً كاملاً لها خارجها؟ هل غيرة وصدق غير الأرثوذكسيين، في شهادتهم للمسيح وعيشهم الأمين له، يحجب عنهم كلّ إمكانيّات الخلاص؟ ألا توجد أيّ التماعات لفعل الروح القدس وحضوره إلّا في الكنيسة الأرثوذكسيّة؟ ما هو مصير الآلاف لا بل الملايين من الذين قدّموا حياتهم بكلّيتها للشهادة للربّ يسوع وتعريف العالم به، ومن ثمّ اقتبلوا موت الشهادة؟ هل الإيمان بأنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة هي الكنيسة الحقّ الواحدة الجامعة الرسولية يدفع إلى مقاطعة كلّ من لا يقول بهذا القول وعدم قبول أيّ مساحة شهادة مشتركة معه، أم على العكس تماماً؟ هل تتساوى أمانة الإيمان بأشخاص المؤمنين إلى حدّ التماهي، فيصير الشخص مستقيماً لمجرّد إيمانه بالإيمان المستقيم؟ 
كان الشماس اللاهوتي اسبيرو جبور، نفعنا الله ببركاته، يقول: "الأرثوذكسيّة جوهرة في رقبة خنزير"، للدلالة على البون الشاسع بين الإيمان الأرثوذكسي وواقع الأرثوذكسيين. وإذا كان الإيمان الأرثوذكسي هو الأمين على "ما سُلَّم مرّةً للقدّيسين"، وهو كذلك، فلماذا هذا الخوف غير المبرَّر من ملاقاة الآخرين؟ 
كيف نتصرّف أمام موقفين آبائيين مختلفين (بولس وبطرس في أنطاكية مجرّد مثال)؟(غلاطية 2) [كان المجمع الرسولي، أي الكنيسة، هو الحكم الفصل]. إلى أيّ درجة تلعب الأوضاع التاريخيّة التي يعيش في إطارها المؤمن الذي قد يصير أباً من آباء الكنيسة يوماً ما، وكذلك المجتمع ذو اللون الواحد أو المتنوّع والثقافة التي ينشأ عليهما ودرجة امتلاكه الأدوات المعرفيّة لنقل الخبرة الإلهيّة التي يبلغ إليها وما إلى ذلك، إلى أيّ درجة يلعب كلّ ذلك دوراً في تعبيره وتعليمه؟ وكيف نميّز هذا الدور ونعطيه حقّه، لا أقلّ ولا أكثر؟
صادفتنا، في تعريب كتاب الأب الشيخ كليوبا "أقوال روحيّة"، مشكلة أرّقتنا. يقول في فصل الاستعداد للمناولة الإلهيّة، عندما يتكلّم عن الموانع التي تفرض عدم التقدّم إليها: "إذا كنت قد دخلت في اليوم السابق إلى كنيسة كاثوليكيّة أو ماخور...!!!". هل هذا كلام يؤخذ إلهيّاً!! أم إنّه نتاج الصراع الدموي الذي عرفه شمال غرب رومانيا على يد الكاثوليك؟ 
هل الأمانة للتراث المستقيم تفترض عيشه في غيتوات خاصّة والاكتفاء بتنمية الشعور بالفخر الذاتي لمجرّد قبول المهتدين في مرعى الخلاص، أم السعي إلى الشهادة للإيمان في كلّ مكان وفي كلّ ملتقى ومنتدى؟ وهل خوفنا من الحركة المسكونيّة يعود إلى حذرنا من الاختراق "الشيطاني" لها، وهو اختراق وارد في كلّ مكان وجماعة، حتّى في قلب الهيئات الدينيّة، أم إلى خوفنا من شيء لا يمكن السيطرة عليه، أم إلى عدم جدّيتنا في التعاطي معه وتهيئة مؤمنين يتقنون الشهادة في وسطه؟
النصّ الذي اقتبسناه من سيرة القدّيس سلوان الآثوسي منذ أسبوعين يُظهر أنّ ثمّة علاقات حوار وزيارات ومودّة قائمة بين بعض الرهبان الآثوسيين، أقلّه عند بعضهم، وبعض المسيحيين من المذاهب الأخرى. لم يمنع حفاظ الآثوسيين على استقامة الإيمان ونقاوته من استقبال الآخرين في أديرتهم والدخول في حوار معهم. 
لنا أيضاً في القدّيس نكتاريوس أسقف المدن الخمس (+1920) مثال قريب آخر. دخل قدّيسنا في حوار بالمراسلة مع دير لاتيني في روما، ولم يُفقده الحوار أرثوذكسيّته ولا حجب الروح القدس قداسته عن الشعب المؤمن بسبب هذا الحوار.
أمّا القدّيس الحديث أمفيلوخيوس (+1970) الذي كان الأب الروحي لتيموثي (المطران كاليستوس وير) المهتدي من الأنكليكانيّة إلى الأرثوذكسيّة، فقد نصحه، بعد قضائه فترة الابتداء في الدير في جزيرة بطمس، بالعودة إلى بريطانيا والعمل على أن يكون جسراً بين العالمَين المسيحيَين، الشرقي والغربي. وهذا ما حصل.
تعاطى القدّيس باسيليوس الكبير مع الأساقفة الذين هم حوله، وجلّهم كان آريوسيّاً، بحزم وحكمة في آن، حتّى أعاد الكثيرين إلى بيتهم الأصلي، الكنيسة القويمة. 
لا شكّ في أنّ الحوار وتبادل اللقاءات كانا قائمين بين القدّيس باسيليوس والتيار الأرثوذكسي الذي يمثله، من جهة، وبين الذين خرجوا عن التعليم الرسمي، من جهة ثانية. هل كان ليتمّ ما قد تمّ من مصالحات وعودة إلى حضن الكنيسة الأم، لو كان الطرفان لا يتعاطيان مع بعضهما بعضاً؟

تمكّنت الكنيسة الأرثوذكسيّة، في القرن العشرين، من الانخراط في الحركة المسكونيّة من منطلق لاهوتي متين وصلب وصادق وبعيد عن الدبلوماسيّة، بفضل أشخاص أرثوذكسيين عاشوا في الغرب شهادة عظيمة لإيمانهم وخصّبوا الفكر المسيحي الغربي وطبعوه بنَفَس أرثوذكسي وقدّموا الكنيسة الأرثوذكسيّة بكلّ بهائها إليه.
منهم الآباء سرجيوس بولغاكوف وجورج فلورفسكي وألكسندر شميمن وجان مايندورف والمطران أنطوني بلوم والأسقف كاليستوس وير والمفكّر اللاهوتي أوليفييه كليمان والقدّيس نيكولاي الأوخريدي والبطريرك أغناطيوس هزيم والمطران جورج خضر. هؤلاء وكثر غيرهم ساهموا في الحوار مع غير الأرثوذكسيين وقدّموا شهادة مضيئة عن الإيمان الأرثوذكسي الواضح والمتين. 
اعتبر هؤلاء وغيرهم الكنيسة الأرثوذكسيّة هي عمود الحقّ، لكنّهم ما استولوا على دور الله في قبول البشر وتصنيفهم وتسميتهم بالهراطقة كيفما اتفق، ولم يحجبوا الخلاص عنهم ولم يمنحوهم إيّاه، لأنّهم، ببساطة، عرفوا، وهكذا علّمهم تراث كنيستهم، أنّ الخلاص والهلاك يعودان لله حصريّاً لا للبشر.
المؤمن الذي ينتمي إلى الكنيسة المنظورة، التي تحوي ملء الإيمان والحقيقة والخلاص، ويحيا فيها، ويعرف "الطريق والحقّ والحياة" (يوحنّا 14/6)، يسعى إلى أن يصير بمستوى ما أُعطي من نعم، ولا يسمح لنفسه بالتدخل في شؤون ما يعود لله، ويصلّي من أجل خلاص جميع البشر ويرجوه لهم. 
هل تغيّر روح العمل المسكوني يجب أن يدفعنا إلى مقاطعته أم إلى تقويمه حيثما قدرنا؟ هل خطر المؤسسات المسكونيّة يدعونا إلى الامتناع عن أيّ شهادة إيمانيّة أو محليّة أو وطنيّة مشتركة؟ وإذا ما قدّمناها فكيف؟
لو قال أحد أساقفة الكنيسة اليوم ما قاله القدّيس غريغوريوس اللاهوتي في عظته في رقاد أخته كيف سيُستقبل كلامه؟ جاء في عظته: "كثيرون ممّن هم خارجاً عنّا ينتمون إلينا. الذين فضائلهم تستبق الإيمان، ولا يمتلكون اسم المؤمن..." وعن أخته: "...كانت طوال حياتها نقاوة وكمالاً...أجرؤ وأقول إنّ المعمودية ما جلبت لها النعمة، بل الكمال"!!!
يقول الربّ في إنجيله: "لا تخافوا ثقوا لقد غلبت العالم". السؤال الأهم: كيف نجسّد هذه الثقة المنتصرة على الموت في حياتنا وواقع كنيستنا ومع الآخرين؟