كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

+يُعتبر فرح القيامة مفتاح كامل نظرة الكنيسة الشرقية للعالم. إليك بعضاً ممّا ترنّمه الكنيسة الشرقية في تراتيلها الفصحيّة: "لتفرح السموات ولتتهلّل الأرض بواجب اللياقة، وليعيِّد العالم كلّه، الذي يُرى والذي لا يُرى، لأنّ المسيحَ قد قام سروراً مؤبداً... إنّ البرايا بأسرها قد استوعبت الآن نوراً، السماء والأرض وما تحت الثرى، فلتعيِّد إذاً الخليقةُ لقيامة المسيح التي بها تشدّدت... إنّنا معيِّدون لإماتة الموت ولهدم الجحيم ولباكورة عيشة أخرى أبديّة".
تنبثّ هذه اللازمة الأساسية (قيامة المسيح) في كل تعليم المسيحيّة الأولى أيضاً. في الحقيقة، تتمحور هذه البشارة الأساس، بقدر ما يمكننا استيعابها، حول الرسالة المركزيّة: انكشاف الحياة الأبديّة وانتصارها. "والحياة تجلَّت فرأيناها والآن نشهد لها ونبشّركم بالحياة الأبديّة التي كانت عند الآب وتجلَّت لنا"(1يو1/2). "فإن كان المسيح ما قام فتبشيرنا باطل وإيمانكم باطل...لكن الحقيقة هي أنّ المسيح قام من بين الأموات وهو بكر من قام من رقاد الموت"(1كو15/20). هنا يكمن منبع سمة الفرح والانتصار القديرة هذه والتي هي سمة مميِّزة للنفسيّة المسيحيّة الأولى. "إيماننا (هو) انتصارنا على العالم"(1يو5/4). "افرحوا دائماً...احمدوا الله على كلّ حال"(1تس5/16-18).
لنزتزد قليلاً. بحسب شهادة سفر أعمال الرسل، إنّ كامل الرسالة الأصليّة التي أؤتمن الرسل عليها كانت التبشير بقيامة المسيح. "لكن الله أقامه وحطّم قيود الموت، فالموت لا يمكن أن يُبقيه في قبضته... ونحن كلّنا شهود على ذلك"(أع2/24،32). هكذا قُدمت عظة الرسل الأولى (كان الواعظ هو بطرس) إلى الشعب. لقد اضطهد الفرّيسيون والصدوقيّون الرسل لأنّهم "يعلنون قيامة الأموات بقيامة يسوع"(أع4/2). ونقرأ بعد قليل أنّه "أعطى الرسل قوّة عظيمة للشهادة لقيامة الربّ يسوع"(أع4/33). وعظ بطرس في بيت كورنيليوس: "لكن الله أقامه في اليوم الثالث وأعطاه أن يظهر، لا للشعب كلّه، بل للشهود الذين اختارهم الله من قبل، أي لنا نحن الذين أكلوا وشربوا معه بعد قيامته من بين الأموات"(أع10/40-41..). كذلك يشكّل الإيمان في انكشاف الحياة الإلهيّة والأبديّة في شخص يسوع جوهر رؤية ونظرة بشارة بولس الرسول. وفي هذا المجال لا يرى بولس أيّ تعارض أو تناقض بين بشارته وبشارة الرسل الآخرين: "أكنت أنا أم كانوا هم، هذا ما يُبشَّر به وهذا ما به آمنتم"(1كو15/11). نجد في الفصل الخامس عشر من رسالته الأولى إلى كورنثوس وفي كتابات يوحنا الإنجيلي الشهادة الأكثر وثوقاً وإعلاناً على هذه الرسالة المسيحيّة الساطعة الفرح، شهادة انكشاف الحياة الأبدية. نجد فيها كلمات يسوع في الإنجيل الرابع المختصّة "بالحياة الأبديّة" التي يشترك فيها من يؤمن بالابن، و"الماء الحيّ" الذي يعطيه المسيح لهؤلاء والذي "يصير فيهم نبعاً يفيض بالحياة الأبديّة" و"خبز الحياة" الذي كلّ من يأكل منه يحيا إلى الأبد" والوعد "بأنّ الساعة قد أتت، وهي الآن حاضرة، عندما يسمع الأموات صوت ابن الله والذين يسمعون يحيون"، وربّما بوزن خاص، كلماته (المسيح): "أنا القيامة والحياة..." وكلمات سفر الرؤيا المهيبة: "أنا الأوّل والأخير؛ أنا الحيّ، كنت ميتاً وها أنا حيّ إلى أبد الدهور". وأخيراً هتاف بولس الانتصاري: "يُزرع بفساد ويقوم بغير فساد، يُزرع بضعف ويقوم بقوّة...أين شوكتك يا موت؟ أين نصركِ يا جحيم؟". تكشف هذه الكلمات هتاف روح تهليل بأنّ الرجاء الأسمى تأسس على الاعتقاد بالقيامة. في هذه الروح القياميّة عاش المسيحيّون الأوائل وتحرّكوا، وفيها نموا وتوسّعوا وتقّووا وغلبوا العالم"(عب2/14). من هذا الإيمان وُلد الوعظ الأول ورجاء الكنيسة الأولى، ومن دون هذا الإيمان بقيامة المسيح وانتصار الحياة ما كان ثمّة من كنيسة ولا مسيحيّة أولى، ولما بقي الإيمان القوّة الأساسيّة والملهِمة للمسيحيّة عبر الأزمات التي تلت.
تبثّ نقوش دياميس روما هذا الفرح والثقة بالحياة الأبديّة: "يا من تحيا، احيَ بسلام في مجد ربّنا"، "نصيب الراحل هو نصيب الحياة"، "ذهب إلى الله الحيّ". وقد امتلأ الشهداء المسيحيّون بهذا الإيمان نفسه وهذا الإلهام نفسه. كتب القدّيس أغناطيوس الأنطاكي إلى أهل روما: "أطلب الذي مات من أجلنا، وأرغب به هو الذي قام من أجلنا أيضاً". ويصلّي الشيخ بوليكربوس في حلبة الإعدام: "أشكرك لأنّك جعلتني في هذا اليوم وفي هذه الساعة أهلاً لأن أكون من بين الشهود على كأس مسيحك، لأجل القيامة للحياة الأبديّة بالجسد والنفس العادمي الفساد بالروح القدس..". وهذه الصلاة المفعمة بالشكر لأجل عطيّة الحياة الأبديّة التي منحها ابن الله، والتي نقرؤها في إحدى الصلوات الإفخارستيّة في كتاب الذيذاخي (تعليم الرسل الاثني عشر): "لقد أعطيتني طعاماً وشراباً روحييَّن وحياة أبديّة بواسطة خادمك (الابن). كذلك تتردّد إيقاعات هذا الفرح ذاته بحسب استعلان الحياة الأبديّة في نشيد سليمان حيث توضع هذه الكلمات على فم المسيح القائم:
"لقد سعوا إليّ ووضعوا رجاءهم عليّ لأنّني حيّ. وأنا قائم وفي ما بينهم وأتكلّم بفمهم...
"لم أغرق مع أنّ الناس ظنّوا ذلك،
"لقد رآني الجحيم فانكسر قلبه،
"وسمح الموت لي بالعودة وبعودة الكثيرين معي
"صرت مرارة وخلّاً له (الموت) ونزلت معه (الموت) إلى أقصى الأعماق (أعماق الجحيم)،
"سمحت لقدميّ ورأسي بأن ينخفضا من أجل الذين لا يتحمّلون رؤية وجهي،
"وجمعت حشداً من الأحياء من بين أمواته (الموت) وتكلّمت معهم بشفاه حيّة...
"وسمعت صوتهم وكتبت اسمي على رأسهم. لأنّهم أناس أحرار وينتمون إليّ، هللويا".
يرتبط بانتصار المسيح على الموت وعدُ الحياة الأبديّة وقيامة الذين يؤمنون به وباسمه، كما يبدو في النشيد وفي بشارة بولس وكلّ بشارة الكنيسة الأولى. يقول المؤمن في نشيد سليمان: "إنّ الفداء لأمر أكيد بواسطته (المسيح) وثمره يدوم إلى حياة أبديّة"، "لقد لبستُ عدم الموت (الخلود) بواسطة اسمه (المسيح) وطرحتُ الموت بواسطة صلاحه"، "لقد شربتُ من الماء الحيّ العادم الموت وسكرت، وجدّدني الرب بثوبه وملّكني نوره".
لقد "خلص (المؤمنون) بالماء الحيّ الذي يدوم إلى الأبد".
نجد أنفسنا في مناخ روحانية يوحنّا؛ فهنا يرفرف روح الإنجيل الرابع وروح سفر الرؤيا. يتلألأ مزاج الفرح البهيج هذا في النظرة إلى العالم. نجد هذه النظرة حاضرة بملئها في تبشير الكنيسة الأولى، بينما يتواصل تطورها وصيغتها ورسوخها الديني الأقوى عبر القرون التالية، في كتابات الآباء وفي الممارسة الدينيّة.

نيقولا أرسنييف
تعريب الميتروبوليت سابا اسبر.