كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

ثمّة واقعية دينيّة تميّز المسيحيّة الأولى بكلّ معنى الكلمة: فتجسّد ابن الله وآلامه وقيامته ليست، كما علّم الدوسيتيّون (هرطقة نادت بعدم تجسّد المسيح حقاً بل تشبيهاً) وغنوصيّون آخرون، بل حقيقة واقعة وواقعيّة. وإذا كان الأمر هكذا، فالجسد أيضاً، الذي لبسه ابن الله وبه قام ثانية، لم يُطرح، بل له دور في الحياة أيضاً، لأنّه حمل في ذاته بذرة الخلود. "لكن الحقيقة هي أنّ المسيح قام من بين الأموات هو بكر من قام من بين رقاد الموت... وكما يموت جميع الناس في آدم، فكذلك هم في المسيح سيحيون"(1كو15/20،22). من هنا نحن نؤمن بإعادة تأهيل المادة والجسد، إذ ليس الجسد "كفناً" ولا "سجناً" للنفس بل "هيكل للروح القدس". من هنا ذلك التوقّع الحار ل "فداء أجسادنا" والإيمان بقيامة الجسد، والوعظ الملهَم بهذه العقيدة الذي ظهر متناقضاً ومسيئاً جدا لبحّاثة الأثريّات! وقد حدا بهذا السبب أيضاً إلى التأكيد بقوّة على هذه العقيدة من المدافعين المسيحيين، حتّى الذين كانوا منهم تحت أقوى تأثير للفلسفة المعاصرة آنذاك. فقد حاول بعضهم أن يُقحموا خبرة المسيحيّة الدينيّة في هذه الفلسفة الشعبيّة ولو كان إقحامهم هذا متعارضاً معها، فخففوا من خصوصيّتها الدينية وأضعفوها، لكنّهم لم يستطيعوا أن ينكروا قيامة الجسد، مع أنّها تتناقض بجديّة مع الموضة الفلسفيّة، والمبادئ القاعدية "للروحانيّة" الأفلاطونيّة ذات الوجه الواحد، لأنّ قيامة الإنسان بكلّيته هذا كانت جوهر الرجاء الدينيّ للمسيحيّة، وهذا الرجاء مرتبط بشكل غير منظور مع القيامة بالجسد وتمجيد الربّ والمعلّم القائم. الله القادر على كلّ شيء هو خالق كلّ العالم، وهو أيضاً خالق الجسد. لا توجد حدود لقوّته وسيادته. لذلك ما استطاع الضمير المسيحيّ أن يتصالح مع حالة العالم الوجوديّة "المضطجع في بؤس الخطيئة" وما استطاع اعتبار هذه الحالة نهائيّة. لقد آمن المسيحيّون بانتصار الحياة الكامل والمطلق وبإلغاء الموت والتحرّر من سيطرة الخطيئة والفساد، وتمجيد كلّ الأشياء الموجودة، أشياء الكون بكلّيته، وكلّ الخليقة في ملكوت الحياة الأبديّة. فثمّة "سموات جديدة وأرض جديدة"(2بط3/13، رؤ21/1-4). نحن نعلم أنّ "الخليقة بكلّيتها تئنّ حتّى الآن معاً" "لأنّ الخليقة أُخضعت للباطل لا باختيارها(رو8/21-22)... بقي لها الرجاء أنّها هي ستتحرّر من عبوديّة الفساد لتشارك أبناء الله في حرّيتهم ومجدهم".(1كو15/28).."حيث يكون الله الكلّ في الكلّ"(رؤ20/14). رجاء بولس الرسول هذا بقي أساسيّاً ومحدِّداً للحياة الدينيّة المسيحيّة وإيمانها عبر الأزمان التي تلت، وأصبح هذا الفرح في القيامة وهذه الثقة بها أساساً لنظرة الكنيسة الشرقيّة، لا بل شكلّت جوهرها وطبيعتها الأعمق والأكثر صميميّة والأكثر حيويّة.
لنستحضر في أّذهاننا بعض أمثلة التعبير الأمثل لهذه الواقعيّة الدينيّة، لهذه الثقة الساطعة، لهذه الانتظارات الجزلة في حياة الكنيسة. في نصب تذكاري أثري رائع من الكنيسة الأولى (يعود إلى 150-160م بحسب رأي المحرّر كارل شميدت) والمدعو Epistola apostolorum"" .يتمّ التشديد على عقيدة القيامة: المسيح قام حقاً قام بالجسد. يرد فيه على فم الرسل: "سمعناه ولمسناه بعد ما قام من الموت". وأيضاً: "لذلك لمسناه (وتأكّدنا بأنفسنا) بأنّه قام بالجسد حقاً"...إلخ. يأتي وعد قيامتنا وشركتنا في مجده من حقيقة تجسّد ابن الله وقيامته بالجسد. يقول يسوع للرسل: "لذلك أتيت بالجسد لكي أقوم بالجسد في الميلاد الثاني في ثوب لن أطرحه"، "ما هو غارق الآن سوف يقوم ثانية وما هو عليل سوف يتعافى لكي يسبَّح أبي. وكما فعل معي، هكذا سأفعل معكم ومع جميع الذين يؤمنون بي". 
يدافع القديس إيريناوس (القرن الثاني) بحرارة عن قيامة الجسد وإعادة تأهيل المادّة ضدّ تعليم الغنوصيين. إذ كيف للجسد الذي اشترك في جسد المسيح ودمه في سرّ عشاء الرب أن يفُقد! "أجسادنا التي اشتركت في الإفخارستيّا لم تعد قابلة للزوال (للفناء) بل لها رجاء القيامة... سوف تقوم في وقتها". المسيح هو آدم الجديد والثاني. "أقام (المسيح) الإنسان الساقط" وصار جسداً "لكي يقدّم البرهان على قيامة الجسد". الفداء هو "طرح كلّي للموت" والحياة الأبديّة هي عطيّة الله. يجيب ترتليان في 200 م على هذه "التهمة" (القيامة) بمنح الجسد وعقيدة القيامة قوّة ووزناً خاصّين. ففي افتتاحية مؤلَّفه الشهير "De resurrection carnies" يورد أنّ قيامة الموتى هي إيمان المسيحيين. يصوغ ترتليان حجّة قويّة مشبعة بالإيمان والاعتدال فيقول: إنّ خلق الإنسان على صورة الله لا يشير إلى النفس فقط، بل إلى الجسد أيضاً، لأنّ الجسد قد اتخذ صورة المسيح المتجسِّد(jam tunc imaginem induens Christi future in carne )، وكما أنّ الجسد يناضل ويتألّم مع النفس، يجب أن يتمجّد سويّاً مع النفس. فهو يشترك مع النفس في الأسرار، ويغتذيان كلاهما بجسد المسيح ودمه؛ إنّه "أخت" جسد المسيح(Christi sui sororem). 
تفيض كتابات آباء الشرق المسيحي العظماء بنظريات وإلهامات مشابهة لهذه. وتتكثّف في كتابات القديس أثناسيوس (القرن الرابع) بخاصّة بطريقة مؤكَّدة وساحرة، كأشعة الضوء في زجاج متوهّج، لتشكّل فلسفة فعّالة. فهنا يوجد جوهر جذور تقواه الكلّية وأعمقها، فهو نفسه يشعر بأنّ حقيقة عظمى تمسك به، بشكل متواصل، وبإحكام متجدّد، إنّها حقيقة الفداء من الموت والفساد والخطيئة وتجديد الإنسان، وأنّ روحه تحلّق من جديد في ثقة فرِحة. وكلماته "صار الله إنساناً كي يصير الإنسان إلهاً" شهيرة بخاصّة وذائعة الصيت. لقد كتب في رسالته الفصحيّة إلى رعيّته في الإسكندريّة: "إنّ هذا الانتصار الظافر على الموت وخلودنا الذي ربحناه بواسطة جسد الربّ لأمر غنيّ بالفرح. لأنّه كما قام هو فهكذا، على منواله، ستأتي قيامتنا، وجسده الذي بقي من دون فساد، صار من دون شكّ مصدر عدم فسادنا". "لذلك كلّ الخليقة تفرح يا أولادي وكلّ خليقة متنفِّسة تسبِّح الربّ الذي أهلك أعداءنا، بحسب كلمات المزمور، لأنّ خلاصنا قد أُنجز". يستمر فرح القيامة، فرح الفصح هذا، حتّى في الآلام والمحن، ويشتعل بشكل غير قابل للإخماد في أزمنة الاضطهاد والنفي والظلم". لأنّ الموت قد هُزم، "طُرح"، "انقرض"، دُمِّر"، ولم يعد يمارس إرهاباً علينا. "لأنه كما أنّ الموت ربح القوّة على البشر بواسطة إنسان، هكذا بواسطة تجسّد كلمة الله قد حصل كلٌّ من دمار الموت وقيامة الجسد... لأنّنا باعتبارنا بشراً ملعونين لن نموت من بعد، أبداً، بل ننتظر، باعتبارنا أناساً قياميين، القيامة العامّة". توجد فلسفة الفداء والقيامة هذه أيضاً عند القدّيس غريغوريوس النيصصي، إنّما بأكثر تنظيم وتطوّر. يقول: "لقد اتْحَد الله نفسه مع طبيعتنا لكي تصير طبيعتنا إلهيّة باتّحادها مع الله، ناجية من أيدي الموت ومتحرِّرة من العبوديّة للعدوّ: لأنّ قيامته [المسيح] من الموت بدء قيامة الإنسان المائت من الموت".