كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 


ترك اثنان من آباء الكنيسة في القرن الرابع أثراً لا يمّحى على الكنيسة الشرقيّة؛ هما القدّيسان يوحنّا الذهبيّ الفمّ وأفرام السرياني، وبخاصّة الأول. لقد بشّرا بنار وقوة وعمق فرح القيامة وانتصار الحياة على الموت وتمجيد الجسد الآتي أيضاً. لقد كتب الذهبيّ الفمّ تفسيراً شاملاً في مقاطع بولس الرسول التي تعالج هذا الموضوع. ففي عظته "بخصوص قيامة الموتى" يتّخذ كلمات بولس الرسول في رسالته الثانية إلى الكورنثيين نقطة البداية: "لا لأنّنا نريد أن نتعرّى من جسدنا الأرضي، بل لأنّنا نريد أن نلبس فوقه جسدنا السماوي حتّى تبتلع الحياة ما هو مائت فينا" (2كو5/4). يقول الذهبيّ الفمّ: "هذه كلمات تصيب تماماً المفترين على طبيعة الجسد والشاهدين زوراً على بدننا". إنّ بولس الرسول بكلماته: "نحن نئن... لا لأّنّنا نريد أن نتعرّى" إنّما يسعى إلى أن يحذرنا إيجابيّاً من الاعتقاد الذي يحتقر الجسد باعتباره شرّاً، وسبباً للخطيئة وعدواً وخصماً... ما يريد أن يقوله هو هذا: إنّنا لا نرغب في أن نطرح الجسد بل الفساد، لا البدن بل الموت. فالجسد شيء والفساد شيء آخر... الجسد قابل للفساد لكنّه ليس فساداً؛ الجسد مائت لكنّه ليس الموت. تذكّروا أنّ الجسد عمل الله أمّا الفساد والموت فقد أتيا بالخطيئة. يقول بولس الرسول إنّ الغريب الذي نريد أن نخلعه ليس ما هو لنا. فالغريب بالنسبة لنا ليس الجسد بل الفساديّة، لذلك يقول [بولس]:"لا نريد أن نخلعه"، ويقصد الجسد، "بل أن نلبس فوقه" نلبس حالة اللا فساد فوق الجسد..." فتبتلع الحياة ما هو مائت فينا"، "هكذا نرى أنه لا يتكلّم البتة عن الجسد وإنّما عن دمار الموت والفساديّة". 
يعظ الذهبيّ الفمّ بلهجة صادحة بالإيمان بقيامة الجسد المستقبليّة في عرضه للفصل الخامس عشر من الرسالة الأولى للكورنثيين، فيقول: "ماذا! الموتى لا يقومون؟ إذا كانوا لا يقومون فلماذا قام المسيح إذن؟ لماذا أتى إذن؟ لماذا لبس جسداً إذا كان ينوي ألّا يقيمه؟ فهو لم يكن بحاجة إلى الجسد لكنّه لبسه من أجلنا...".
لكن المسيح يمنح هذا التمجيد الآن في حالة الكمون، لأنّه لا يزال في شكل مخفيّ. وهذا ما يريد بولس أن يعلّمه كما يقول الذهبيّ الفمّ : "ليس مجد بداية أولى بل مجد سيظهر، بالضبط كما لو أنّه حقيقة مؤسَّسة ولو أنّها لا تزال مغطّاة".

يحضر رجاء هذه القيامة والتمجيد القادمين أيضاً، بإلهام وحرارة، عند القدّيس أفرام السرياني. يقول عن الجسد: "إرادة خالقه سوف تجمع ترابه سويّاً، سوف تجدّده وتصنع منه هيكلاً للمجد؛ سوف يصحب الجسد رفيقته النفس إلى الخدر العرسي ويعزّيها هناك؛ والجسد المملوء بالأحزان في الجحيم سيفرح، والجسد الذي أصابه اليأس سيسبِّح، ... الأقدام التي كانت مقيَّدة ستقفز في الفردوس... الأعين التي كانت مغلقة ستعاين منبع الضوء. الفم الذي كان أبكم سينفتح... والجسد الذي كان فاسداً سيشعّ بالمجد". "ومع أنّ آدم لم يعد يحيا، إلا أنّه سيحيا لأنّه مخلوقك؛ لذلك، بواسطتك، سيتجدّد هيكله الذي صار تراباً... كان مشهداً غالباً عندما تنازل جلالك المنير إلى التراب المظلم لكي يخلق الصورة الرائعة. أمّا نزولك الأخير (التجسّد)، فكان أسمى وأرفع من الأول (خلق آدم) لأنّك لم تخلق من التراب فقط بل لبسته بنفسك... لقد أسعدت الجسد بالنفس، لكنّك تُفرِح الاثنين باتحادهما من بعد انفصالهما عندما تعيد الجسد إلى النفس. فلتقترب النفس وتدخل إلى بيتها وتمكث بسلام في مسكنها وليشرق نورها هناك". "البكر (ابن الله) لبس الجسد واستعمله وشاحاً يخفي به روعته. العريس غير المائت يتألق في هذا الرداء. عسى أن تصير أردية الضيوف مثله! عسى أن تتألق أجسادكم، التي هي أرديتكم، أيضاً".
ربّما يجد فرح آباء الكنيسة بقيامة المسيح، وبقيامتنا بها تالياً، بالانتصار على الموت، تعبيره الأنبل في عظة الذهبيّ الفمّ الرائعة التي تقرؤها الكنيسة الشرقيّة في قدّاس الفصح: "... ادخلوا كلّكم إذاً إلى فرح ربّكم. أيّها الأوّلون ويا أيّها الآخرون خذوا أجرتكم. أيّها الأغنياء ويا أيّها الفقراء افرحوا معاً. سلكتم بإمساك أو توانيتم أَكرِموا هذا النهار. صُمتم أم لم تصوموا افرحوا اليوم. المائدة مملوءة فتنعّموا كلّكم! العجل سمين فلا ينصرف أحد جائعاً، تناولوا كلّكم مشروب الإيمان، تنعّموا كلّكم بغنى الصلاح. لا يتحسّر أحد شاكياً الفقر لأنّ الملكوت العام قد ظهر، ولا يندب معدِّداً آثاماً لأنّ الفصح قد بزغ من القبر مشرقاً. لا يخشَ امرؤ الموت لأنّ موت المخلِّص قد حرّرنا. هو أخمد الموت لمّا مات، وسبى الجحيم لمّا انحدر إليها، فتمرمرت حينما ذاقت جسده ... فأين شوكتك أيّها الموت؟ أين انتصاركِ أيتها الجحيم؟ قام المسيح وأنتِ صُرعتِ. قام المسيح والجن سقطت. قام المسيح والملائكة فرحت. قام المسيح فانبثّت الحياة في الجميع. قام المسيح فكان باكورة للراقدين. فله المجد والعزّة إلى دهر الداهرين، آمين".
أيّة قوة وأية شجاعة توجدان في هذه العبارات: "قام المسيح ولا أحد بعد في القبر"! حقاً إنّها لخبرة مضادّة لخبرتنا اليوميّة. لكن بهذا الاعتقاد نلامس مملكة الأبديّة، الحياة الأبديّة، حيث تتلاشى الحدود بين الحاضر والمستقبل الفائق السمو. 
هذا الرجاء، هذا الإيمان ، هذا الفرح الجزل – هذه كلها تشكل مفتاح حياة ونظرة الكنيسة المسيحية الشرقية.