كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

إنّ الرجاء والإيمان والابتهاج، كما رأينا، سمات مميِّزة لروح المسيحيّة الأولى. كما أنّها صفات ملازِمة لكلّ أشكال المسيحيّة؛ وليست حصراً على المسيحيّة الشرقيّة. ومع ذلك، يمكننا القول إنّ فرح القيامة وتوق النفس الفَرِح للمجد الآتي وانتظار مجد الحياة الأبديّة التأمّلي والصوفي سمات أساسيّة بقيت حاضرة ومهيمنة وحاسمة في الكنيسة الشرقيّة. تجري محاولات أحياناً للمقارنة ما بين الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة والكنيسة الشرقيّة؛ فيقال إنّ الحياة الدينيّة تتمركز في الكنيسة الكاثوليكيّة حول المسيح المتألم، بينما المسيح القائم هو المركز في الكنيسة الأرثوذكسيّة. علينا ألا نشدّد كثيراً على هذه المقارنة، لأنّ المخلِّص هو المسيح القائم أيضاً في الكنيسة الكاثوليكيّة، وثمّة تقوى حارّة تجاه آلام المسيح المتجسِّد في الكنيسة الشرقيّة: (انظر طقوس الأسبوع العظيم الأخّاذة). لكنّ ثمّة تعارضاً معيّناً قائماً بمعنى محدَّد بين الروحانيّتين. فالكنيسة الشرقيّة تكثّف حرارة حماستها وتمركزها على مجد الربّ القائم، فإشعاع وألق الحياة المتجلّية فيه يضيء العالم والحياة منذ الآن. والواقعيّة المسيحيّة الأولى الفَرِحَة والسرّانية، وأحياناً الأخرويّة (الأسخاتولوجيّة)، تظهر بكلّ قوّتها ودلالتها هنا. فالموت يُهزم في اللحظة الحاضرة، وقوانين الكون القاسية تُقمع، وقوة الفساد والخطيئة تُدمَّر، والعالم كلّه، كونياً، بما فيه أجسادنا، يشارك في الحياة الأبديّة. هذه الروح، هذا الظفر، فرح النصر هذا، يخيّم على كلّ تراتيل الكنيسة الشرقيّة وأناشيدها على مدار السنة، لا في الفترة الفصحيّة فقط.
ولا تغمض الكنيسة الشرقيّة عينيها، أكثر من الكنيسة الغربيّة، عمّا هو عابر وظلّ في حياتنا، وعن ازدهار أمورنا الأرضيّة وألم الموت وانفصال النفس عن الجسد وعن كل ما يحبه الإنسان على الأرض، أو رهبة الموت وهول الفساد.
ففي خدمة جنّاز المؤمنين ترتّل الكنيسة الشرقيّة بلحن جنائزي حزين: 
"ويلي! أيّ جهاد تعاني النفس عند انفصالها عن الجسد. كم تبكي حينئذ ولا تجد من يرحم، واأسفاه...".
"إنّي أنوح وأنتحب متى فطنت للموت ونظرت الجمال الممنوح لنا والمخلوق على صورة الله ثاوياً في القبور، لا حُسْن ولا كرامة ولا هيئة له...".
"في الحقيقة هذا هو سرّ الموت. كيف تغادر النفس الجسد؟ كيف تخسر، بإرادة الله، رفقة الاتّحاد الطبيعي...".
يتردّد في هذه الكلمات صدى الخوف من الموت ورعب نزاع الموت الأخير. فكلّ الأمور الأرضيّة عابرة، مؤقتة وباطلة ووهم.
"أيّ نعيم في الدنيا لا يخالطه حزن! وأيّ مجد يدوم على الأرض ولا يزول!...".
"في الحقيقة إن كلّ الأشياء باطلة، والعمر ظلّ وضغث حلم. فباطلاً يضطرب كلّ أرضيّ".
"أين الجدّ في العالميّات. أين المغالاة بالفانيات؟ أين الذهب والفضّة؟ أين ازدحام الخدم وضوضاؤهم! الكلّ غبار. الكلّ رماد. الكلّ ظلّ. لكن هلمّوا نهتف إلى الملك الذي لا يموت قائلين: أهِلّ يا ربّ المنتقل عنّا لخيراتك الأبديّة، وأرحه في الغبطة التي لا تزول".
"المسيح قام، وهو باكورة الراقدين". تصدح هذه العبارة بكلّ قوّة وبأشكال متنوّعة في هذه التراتيل. ومع ذلك فرسالة القيامة الشجاعة هذه ترتبط بلا انفصال برسالة صليب واستشهاد المخلّص الذي وطئ الموت بالموت. تملأ هذه الروح تراتيل كتاب "المعزّي". وهاك بعض الأمثلة:
"سُمِّرتَ بإرادتك على الصليب أيّها المتعطّف، ووُضعت في قبر كميت أيّها المعطي الحياة، وبموتك دمّرت هيمنة الموت أيّها القدير. فأمامك فتحت الجحيم ثغرها، لكنّك أيقظت المائتين منذ بدء الأزمنة، يا محبّ البشر".
"أيّها الملك والقدير الأوحد إنّك برفعك على الصليب حرّكت الخليقة كلّها، لكنّك بنزولك إلى القبر أيقظت الساكنين في القبور، ساكباً على الجنس البشري الخلود والحياة. لذلك نمجّدك مسبّحين قيامتك بعد ثلاثة أيّام".
"إنّ النسوة اللواتي أتين إلى القبر في الفجر ورأين الملاك خِفن. فمن القبر شعّت الحياة، فملأهن العَجَب والخوف ففررن وبشّرن الرسل بالقيامة. لقد انتشل المسيح القدير والقويّ فريسةَ الجحيم منها وأقام جميع المتعفّنين في القبور".
"أيّها المسيح مانح الحياة لقد ظهرت أكثر بهاء من الفردوس وأكثر ضياء من أيّ موكب بشري بهيّ، فقبرك ينبوع قيامتنا".
إنّنا نرى قيامة المسيح من الموت عربون قيامتنا أيضاً، لا بل أكثر من ذلك، إنّها قيامتنا وانتصارنا على الموت: 
"لقد دمّرت سيادة الموت بموتك أيّها القدير". "لقد أيقظت الساكنين في القبور مانحاً الجنس البشري الحياة والخلود". "لقد حطّمت الموت وبقيامتك، بعد ثلاثة أيام، ألبست الموتى عدم الموت". "لقد قام وأفرغ القبور! انظروا إليه هو غير المتغيّر يغيّر الفساد". "جعل الموتى يحيون". "لقد سرقت الفريسةُ (المسيح) الموتَ والجحيمَ، فلبس الجنس البشري الخلود". "لقد استُعيد الموتى الذين ابتلعهم الموت، لأنّ هيمنة الجحيم المدمّرة تدمّرت بذاتها عندما قمتَ أيّها المخلِّص من القبر".
يظهر هذا الفرح المتفجّر في كلّ وسيلة تعبير، لأنّ الاشتراك بقيامة المسيح حصل، وكذلك ثمّة خبرة صوفيّة وتحقيق واقعي صوفي للمجد الآتي. ففي شخص المسيح قام كلّ الجنس البشريّ (مرموزاً له بآدم) من الموت الآن، في الوقت الحاضر، بصورة كامنة، وصار إلهيّاً: "لقد سقط آدم وتشظّى وخاب أمله بالألوهيّة، لكنّه قام وتألّه بالاتحاد بكلمة الله وربح المناعة ضدّ الآلام بآلام الكلمة الإلهي، وتمجّد على العرش كالابن وجلس إلى جانب الآب والروح".
وكما رأينا سابقاً، ليس الإنسان وحده من تأثّر بالفداء وفرح الظفر، فالفرح بقيامتنا مرتبط أيضاً بالفرح بانتهاء هيمنة الفساد وفداء كلّ الخليقة وبزوغ فجر مملكة الحياة. وعيون الروح تتطلّع، بحرارة، إلى المجد الآتي، إلى "حريّة أبناء الله الساطعة" التي ستشارك فيها الخليقة كلّها. فالقيامة إذن حدث ذو دلالة كونيّة، ولأنّ العالم مساوٍ للإنسان فإنّ أشعة المجد السماوي تخترقه، ولو بشكل خفيّ؛ غير منظور. لقد حصل على قيمة جديدة وسامية لأنّه، هو أيضاً، حمل في ذاته بذرة الخلود. تنشد الكنيسة الشرقيّة:" المسيح، كإله، قام من القبر بمجد وأقام معه بذلك العالم كلّه"، "بإعطائه حياته لأجل العالم ملأ العالم كلّه والخليقة كلّها بالضياء"، "لقد استنار العالم بضياء مجيء المسيح وتألقت نهايات العالم بصليبه"، " لقد جعل المسيح الأشياء الأرضيّة مع السماويّات"، "يا للعجب كيف ذاق حياة الكلّ الموت؟ وبهذا فقط أنار العالم".