كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

لذلك فإنّ العالم كلّه والخليقة كلّها مدعّوان إلى الفرح بالربّ والتسبيح له: "افرحي أيّتها الخليقة وأزهري مثل الليلك. فالمسيح قام كإله من الموت! أين شوكتك أيّها الموت؟ أين اقتداركِ أيّتها الجحيم؟"، "لتفرح السموات ولتهتف الأرضيّات بالفرح، لأنّ الربّ بقوّته قد داس الموت ووطئه بالموت"، "كلّ الخليقة تفرح منشدة لك مع الأنبياء نشيد الانتصار"، "أطراف العالم تفرح بنهوضك من الموت".
وكما قلنا سابقاً، تصل هذه البهجة إلى ذروتها في ليلة الفصح وفي الاستعداد للاحتفال بالقيامة في خدمات الأسبوع العظيم. ففي الأسبوع العظيم يعاد عيش الأيام الأخيرة من حياة المخلِّص على الأرض بحيويّة: درب آلامه، العشاء الأخير، قصّة آلامه، الموت والدفن. ثمّة مناخ من الوقار يتجاوز جدران الكنيسة ولا ينحصر بالخدم الدينيّة الليتورجية فحسب (التي تملأ نصف كلّ يوم اعتباراً من الاثنين العظيم)، بل يهيمن على ساحة الحياة، بما فيها العائلة والبيت. ففي سكون الأسبوع العظيم يسمع المرء وقع أقدام الربّ وهو يمشي إلى الجلجلة: إنّه مناخ وقار وجديّة مليء بالندم والاتضاع وأسمى العواطف. وفي النهاية، وفي عشيّة الخميس العظيم، تأتي خدمة "الأناجيل الاثني عشر" التي تستحضر آلام ربّنا وتستحضر عيشها! تُقرأ روايات الآلام بصوت عالٍ، وتنشد الكنيسة عشية الجمعة العظيمة برعدة: "إنّ يوسف المتّقي أحدر جسدك الطاهر من العود ولفّه بالسباني النقيّة وحنّطه بالطيب وجهّزه ووضعه في قبر جديد" و "إنّ الملاك حضر عند القبر قائلاً للنسوة الحاملات الطيب: أمّا الطيب فهو لائق بالأموات وأمّا المسيح فقد ظهر غريباً عن الفساد". ثم تبدأ بالتناوب آيات من المزمور 119 ومراثٍ تتحدّث عن المسيح الراقد في القبر وعن انتصاره على الموت: 
"طوبى للذين لا عيب في طريقهم، السالكين في ناموس الربّ".
"يا يسوع الحياة في قبر وضعت، فالجنود السماوية انذهلت كلّها ومجّدت تنازلك".
"طوبى للذين يبحثون عن شهاداته وبكلّ قلوبهم يطلبونه".
كيف متّ يا ربّ وسكنت القبر، غير أنّك حللت سلطان الموت منهضاً من الجحيم المائتين".
تمتزج بتناغم مدهش إيقاعات مزمور العهد القديم، الذي به تودّع الكنيسة الشرقيّة الراقدين، مع هتاف الكنيسة الحارّ ذي الطابع الترداديّ، برعدة وخوف أمام قبر المخلِّص، ويتتابع الجواب تلو الآخر:
"ولا يعملون الإثم بل يسلكون في طرقه".
"يا يسوع الملك إيّاك نعظّم ونكرّم آلامك ودفنك التي بها خلّصتنا من الفساد".
"أنت أمرت أن تُحفظ وصاياك باجتهاد".
"يا مليك الجميع يا مقرّ الأرضين تسكن اليوم في هذا القبر الصغير منهضاً الساكنين في القبور".
"فيا ليت طرقي تُسدَّد إلى حفظ فروضك".
"يا مسيحي يسوع ماذا وافيت لتطلب في الجحيم ألكي تعتق منه المائتين".
"فقد كنت حينئذ لا أخزى إذا رعيت جميع وصاياك".
"سيّد الخليقة يُشاهَد ميتاً، ثمّ يُوضَع في قبر جديد، مُفرِغُ القبور من موتى الدهور".
نبرة الرثاء ونغمة الثقة الصادحتان تتداخلان، وينمو ويتضخم مزاج مؤلَّف منهما، معلناً اقتراب الفصح ويصل إلى إحدى قممه خلال خدمة يوم السبت العظيم؛ بينما الكنيسة لا تزال ملفوفة بالسواد والمحتفلون لا يزالون يلبسون ثياب الحداد وصلوات التوبة والندم لا تزال تتواصل، إلا أن نَفَس القيامة يتزامن معها ويحوم فوقها.
فبعد قراءة مقاطع طويلة من العهد القديم تتجاوب مع العهد الجديد ورجاء النجاة من الموت وفرح الفداء المتمَّم على يد الله وقدرته، تنشد الكنيسة بوقار ترنيمة الفتية الثلاثة في أتون النار؛ ترنّمها الجوقة في وسط الكنيسة مع ترداد اللازمة: "سبّحوا الربّ وارفعوه على مدى الدهور".
تزداد الحماسة ويحلّق نَفَسها عالياً. فبعد تلاوة رسالة اليوم تحلّ لحظة الفرح الغامر على المؤمنين المجتمعين في الكنيسة، عندما يهتف الكاهن: "قم يا الله واحكم في الأرض لأنّك ترث جميع الأمم"، ويجيب المجتمعون بحماسة، رافعين قلوبهم إلى العلى: "قم يا الله واحكم في الأرض لأنّك ترث جميع الأمم". وترتّل الجوقة أيضاً، آيات من العهد القديم تخصّ العهد الجديد: "إلى متى تقضون بالظلم...احكموا لليتيم والأرملة...أنقذوا البائس والمسكين..". بينما يجيب الشعب: "قم يا الله واحكم في الأرض ...". "المسيح فصحنا، مذبوح ولا يزال حيّاً؛ حمل الله الحامل خطايا العالم". في الحقيقة، يتكثّف كلّ الرجاء وجوهر الإيمان في هذا الهتاف. إنّه هتاف النفس الحارّ والحماسيّ، نداء الكنيسة كلّها، إنّه، كما كان، صراع مع الله. يجب أن يقوم! لأنّ إيماننا باطل من دون قيامته وخلاصنا عبث. إنّه تكرار حارّ وحماسيّ للرسالة المذهلة والغامرة. فالهتاف ينمو ويقوى، وتمجيد الكنيسة كذلك ينمو ويقوى. إنّه نوع من تصعيد تدريجي روحي، سيمفونية نفسيّة عظيمة، تعبّر عنها أصوات الجوقة الصافية التي تنشد كلمات الفرح الموعود والنداء التصاعدي الملحّ دونما توقف ودونما تعب، إنّها صلاة الكنيسة عند حافة قبر مخلِّصها. وأخيراً تعلو أصوات الفتية الواضحة أيضاً بهتاف شديد الابتهاج: "قم يا الله واحكم في الأرض لأّنك ترث جميع الأمم". ثم يخرج الشماس من الهيكل لابساً بدلة بيضاء وفضيّة، علامة الفرح، ويعلن إنجيل القيامة: أتت النسوة إلى القبر لكن الحجر كان قد دُحرج والملاك قال لهن: لماذا تطلبن الحيّ بين الموتى؟ قد قام! اذهبن وأخبرن تلاميذه".