كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

وأخيراً تأتي ليلة الفصح، بلحنها الذهبيّ الشديد الفرح والبهجة. فعند منتصف الليل، وفيما جميع الشموع تتوهّج بالنور – بحر من الشموع يكون في أيدي المحتفلين – تدوّي على فم الكاهن أو الشماس كلمات الفرح التي طال انتظارها: "لقيامتك أيّها المسيح إلهنا الملائكة يمجّدون، فأهّلنا نحن أيضاً أن نسبّحك بقلوب نقيّة". ومن ثمّ تتدحرج وتتعالى ترنيمة ليلة الفصح الظافرة من ألوف الحناجر: "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور". وتُعاد أيضاً وأيضاً، مراراً وتكراراً. إنّها الترنيمة القصيرة التي اكتسبت قدسية فائقة بأهميّتها العظيمة وتقليد القرون باعتبارها تعبيراً عن فرح الكنيسة المتهلّل الأعز والأفضل والأكثر ألفة وحميميّة والسائد على المستوى العالمي. تتداخل هذه الترتيلة بتتابع مع ترتيل قطع قانون الفصح الساطع البهجة والذي كتبه القديس يوحنا الدمشقي. 
"اليوم يوم القيامة فلنتلألأ أيّها الشعوب لأنّ الفصح هو فصح الربّ وذلك لأنّ المسيح إلهنا قد أجازنا من الموت إلى الحياة ومن الأرض إلى السماء نحن المنشدين نشيد النصر والظفر".
"هلمّوا بنا نشرب مشروباً جديداً ليس مستخرجاً بآية باهرة من صخرة صماء، لكنّه ينبوع عدم الفساد بفيضان المسيح من القبر الذي به نتشدّد".
"إنّ النسوة الحاملات الطيب...هاتفات بعضهن لبعض: هلمّ بنا يا حبايب لنضمّخن بالعطور جسماً حاملاً الحياة ودفيناً، جسداً مقيماً لآدم الساقط الطريح في الضريح".
إنّنا معيّدون لإماتة الموت ولهدم الجحيم ولباكورة عيشة أخرى أبديّة...".
"اليوم الخليقة تبتهج وتفرح لأنّ المسيح قد قام والجحيم قد سُبيت... إنّ فصحنا المسيح المنقذ (الحَمَل) قد اتضح لنا اليوم فصحاً شريفاً، فصحاً جديداً مقدّساً، فصحاً سرّياً، فصحاً جليل الوقار، فصحاً بريئاً من العيب، فصحاً عظيماً، فصحاً للمؤمنين، فصحاً فاتحاً لنا أبواب الفردوس، فصحاً مقدِّساً جميع المؤمنين".
"...فصحاً نصافح فيه بعضنا بعضاً بفرح، فيا له من فصح منقذ من الحزن، وذلك لأنّ المسيح قد بزغ من القبر كالبازغ من الخدر، وأوعب النسوة فرحاً بقوله: بشّرن الرسل بذلك".
"اليوم يوم القيامة فسبيلنا أن نتلألأ بالموسم، ونصافح بعضنا بعضاً، ولنقلْ يا إخوة، ولنصفح لمبغضينا عن كلّ شيء في القيامة، ولنهتف هكذا قائلين: المسيح قام من بين الأموات دائساً الموت بموته والذين في القبور وهبهم الحياة".

هذا هو قلب ونواة التقوى وعصبها الحيوي في الكنيسة الشرقيّة. إنّه الفرح بالمسيح القائم الحيّ، إنّه الفرح بتمجيده وحياته، لأنّ حياته هي أيضاً حياتنا وتجلّينا وتمجيدنا وأبديّتنا.
لم يكن هذا الإيمان الفرِح مركز الحياة الداخليّة للكنيسة الشرقيّة في الماضي فقط، وليس هو حيّاً الآن فقط في طقوس الكنيسة واحتفالاتها الليتورجّية. فالإيمان الحيّ فقط في الطقوس أو في الماضي أو الآثار أو حفاظاً للتقليد ليس إيماناً حيّاً. الإيمان بالقيامة وفرح الفصح هو إيمان حيّ في الكنيسة الشرقيّة. ومنه انبثقت شهادات الحياة الروحيّة الروسية الأسمى (سِيَر حياة وأعمال قدّيسيها وفنّها الديني ونظرة أشخاص مثل دوستويفسكي كما سنرى لاحقاً). لكن ثمّة ما هو أكثر من هذا؛ فهذا الإيمان الفصحي قد أظهر ذاته قوّةً حيّة هائلة ومستمرة، عند الذين وجدوا الفرح في وسط الآلام والموت، والذين ندعوهم شهداء الإيمان المسيحي اللاحقين. لقد خضع الآلاف للعذاب والآلام والموت من أجل إيمانهم المسيحي تحت النير البلشفي (8000 إكليريكي فقط)؛ بعضهم عُذِّب بتخليع الأعضاء وآخرون بالتقطيع والرمي بالرصاص والسجن المحرق. ومع ذلك ماتوا ببشاشة وفرح ولم تستطع قوّة هذا الاضطهاد والطغيان الإلحادي المرعب، الذي لم يشهده العالم من قبل، أن تقتل فرح الفصح فيهم، أو تجعل الكثيرين ممّن بقوا أمناء للمسيح أو وجدوا إيمانهم فيه، ينكرون ربّهم القائم والممجّد. ففي قلوب هؤلاء الناس استفاقت روح مماثلة لروح المسيحيّة الأولى التي عاشت في الإيمان ذاته. نرى في إحدى الشهادات البليغة المسجلة في رسالة كتبها الميتروبوليت بنيامين مطران بطرسبرغ، قبل أن يرميه البلشفيّون بالرصاص الروحَ ذاتها الموجودة عند القدّيس أغناطيوس الأنطاكي في رسالته إلى مسيحييّ روما قبل رميه إلى الأسود في حلبتها. 
هذه الروح ذاتها تظهر بوضوح في القصّة التالية المشهورة والمعروفة في سائر أرجاء روسيا. ففي قاعة الاحتفالات الكبرى في متحف كلية "بوليتكنيك" في موسكو دعا كومراد لوناتشارسكي، المفوَّض البلشفي بالتعليم الشعبي، محاضراً مرموقاً لكي يهاجم "الإيمان البائد". قال المحاضر إنّ هذا الإيمان نتاج الرأسماليّة الطبقيّة، وقد انتهى كليّاً الآن؛ ومن السهل تقديم البرهان على بطلانه وتفاهته. بدت المحاضرة ناجحة جدّاً وكان المحاضر راضياً عن بلاغته ومسروراً بثقته التامّة بذاته، وأنهى حديثه بدعوة السامعين إلى النقاش معطياً خمس دقائق للمتكلّم الواحد. وكان على كلّ متكلم أن يعرّف باسمه. تقدّم كاهن شابّ ذو لحية قصيرة ومظهر بسيط يبدو غير ملائم لمحاضرة "راقية"! كان كاهناً ريفيّاً نموذجيّاً. نظر إليه لوناتشارسكي بازدراء قائلاً: "تذكّر، ليس أكثر من خمس دقائق". فأجابه: "بالتأكيد، لن آخذ وقتاً طويلاً". صعد الكاهن إلى خشبة المسرح واستدار نحو الحاضرين وقال: "أيها الإخوة والأخوات"Christos Voskresse: المسيح قام". فأجابه الحاضرون بصوت واحد وعظيم القوة "Voistinu voskresse حقّاً قام". ثم استدار نحو المحاضر قائلاً: "انتهيت. ليس لديّ ما أضيفه". أُقفل الاجتماع فوراً ولم تنفع كلّ بلاغة الملحدين شيئاً. 
تقدّم هذه القصة دلالة بليغة، لأنّ كلمات التحيّة الفصحيّة الواثقة هذه "المسيح قام"، نعم، "حقاً قام" تلخّص كل جوهر إيمان الكنيسة الشرقيّة.