كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

الأب القدّيس ألكسي ميتشيف (1860-1923) قدّيس مميّز لعالمنا المعاصر. كاهن متزوّج وله خمسة أولاد: ثلاث بنات وصبيان، مات أحدهما وعمره سنة فقط. شهد لإيمانه بصبر على الصعيدين الروحي والاجتماعي. افتقده الله كثيراً وغرق في الحزن بعد رقاد زوجته، لكنّه قضى حياته في خدمة قلّما يستطيع إنسان المواظبة عليها.
بدءاً، لا بد من الإضاءة على والدي ألكسي. ففي بيت والديه تعلّم الإيمان والتقوى ومحبّة الآخرين ومشاركتهم في كلّ شيء. كان البيت الوالديّ شقّة مؤلّفة من غرفتين تقع في موسكو. لم يمنع صغر الشقّة والدته من دعوة أختها وأولادها الثلاثة، من بعد ترمّلها، إلى العيش معهم في الشقّة عينها وهذا ما صار. عاش ستة أطفال وثلاثة بالغين في غرفتين، وكان هناك ما يكفي من الطعام للجميع!
يقول قدّيسنا عن نفسه:"إنّ الله منحني إيماناً بسيطاً كإيمان الأطفال". أحبّ الهدوء منذ صغره وتميّز بالتهذيب وتجنّب المشاجرات. اختطّ لنفسه حياة سلاميّة ناشراً روح المصالحة والبهجة بين الجميع. أحبّ الناس وسعى إلى خدمتهم، مقتدياً بسيّده وربّه وقائلاً: "لم يرفض الله أحداً قطّ. لقد رحبّ بالجميع ودعاهم إلى الخلاص. لم ينسَ أحداً حتّى وهو يموت؛ فقد خلّص اللصّ التائب واهتمّ بأمّه؛ لذلك لا يمكنني رفض أيّ شخص". 
محبّته هذه جعلته رقيقاً لطيفاً مع الجميع. حتّى إنّه عندما كان يُضطر إلى اللجوء إلى التوبيخ كان يستعمل لهجة لطيفة وحنونة. كتب مرّة: "لا يحتاج العالم إلى مناقشاتنا ولا إلى آرائنا أو أحكامنا. إنّه ينهار لأنّه لا يوجد ما يكفي من الحبّ فيه". 
تعلّم من والديه الاهتمام بالآخرين والكرم والرحمة والتعاطف. فأراد في البداية أن يصبح طبيباً لكي يخدم البشر. لكن أمّه التقيّة صاحبة القلب النقيّ، عرفت بدقّة دعوة ابنها الحقيقيّة. اعتادت أن تقول له: "أنت ضعيف البنية جدّاً، لا يمكنك أن تصير طبيباً، من الأفضل أن تصير كاهناً". 
بعد تخرّجه من مدرسة موسكو اللاهوتيّة، بدأ أولى خطواته نحو الكهنوت. عُيّن قارئاً في كنيسة اعتاد كاهنها التعامل معه بقسوة وضربه أحياناً. لكنّه تحمّله بلطف، وعندما توفي ذلك الكاهن بكاه ألكسي لأنّه أدرك كم علّمه ولو عن غير قصد.
اعتدنا في قراءة سِيَر القديسين ألّا نعطي اهتماماً لحياتهم اليوميّة المشابهة لحياة البشر. في سيرة القدّيس ألكسي إضاءة هامّة جدّاً على علاقته بزوجته. لقد أحبّها كثيراً واعتاد أن يناديها: "زوجتي الجميلة" مع أنها لم تكن على جمال كثير. ولأن الكنيسة التي كان يخدمها تبعد حوالى 24 كم عن بيته الزوجي، فقد اعتاد أن يكتب لها باستمرار، منتبهاً إلى أدقّ التفاصيل في ما يخصّها. جاء في مراسلاته: "يا جميلتي... يا زوجتي الغالية نيوشنكا (اسم الدلع التصغيري لحنّة)... يا حبّ حياتي، تناولي دواءك وأكثري من شرب الحليب"، "انسي كلّ شيء ولا تفكّري إلّا بأن تصيري إلى حال أفضل... مع أنّني أبعد عنك 24 كم يا زوجتي الغالية إلّا أنني أشعر بما تفكّرين به وبما تعملين"، "يا شمسي المشرقة". 
كتب إلى ابنه، بعد سنوات من وفاتها: "كنت أشعر بالسعادة الغامرة عندما تلاحظ أمّك خطأ ما قمت به وتخبرني به. وكنت أهتمّ بتعليقاتها من قلبي وأعدّل أفعالي حسبرأيها... لم أكن أحبّ أن أبقى جامداً. كوننا لا نلاحظ عيوبنا، فإنّنا نحتاج إلى من يلاحظها من القريبين منّا كي نصلحها".
أمّا صبره النادر وإخلاصه لرسالته الكهنوتيّة التقديسيّة فيظهر في هذا. سُلِّم خدمة كنيسة صغيرة وفقيرة بالروح، فما من أحد من أبناء الرعيّة يدخلها للصلاة. فبقي الأب ألكسي مثابراً على إقامة القدّاس الإلهي وحده يوميّاً لمدّة ثماني سنوات والكنيسة فارغة! حتّى إنّه صار مضرباً للتندر به وإحباط همّته. أن تنطلق من التفكير البشري لن ترى باباً للرجاء، لكن أن يكون لك فكر المسيح يصير رجاؤك، بنعمة الله، حقيقة واقعة. يمثّل أحد المتقدّمين في الكهنة النمط الأول. هذا اعتاد أن يقول للأب ألكسي: "في كلّ مرّة أمرّ أمام الكنيسة وأسمع رنين أجراسها أدخل فأراك تقيم القدّاس الإلهي والكنيسة فارغة. إنّك تبدّد وقتك في قرع الأجراس. لن تجني شيئاً". لكن صبر الأب ألكسي وأمانته المذهلة للربّ جعلت النعمة الإلهية تتدفّق بسخاء بعد ثماني سنوات وتلمس قلوب الناس، إلى درجة لم تعد الكنيسة تتسعللمصلّين، ولم يعد قادراً على العودة إلى سريره يوميّاً قبل الثانية ليلاً، لكثرة المقبلين إلى الاعتراف عنده.
تعرّض الأب ألكسي، كأيّ رجل يحبّ زوجته حبّاً خالصاً، إلى صدمة كبرى عندما رقدت ولم تكن قد تجاوزت السادسة والثلاثين من عمرها. أُصيب باكتئاب شديد، فاعتزل في غرفته يصلّي ويبكي، منقطعاً عن خدمته. فأتاه الأب يوحنّا (كرونستادت) [أُعلنت قداسته في العام 1914] مفتقداً. استقبله الأب ألكسي قائلاً: "أأتيت لتشاركني الأحزان؟". فأجابه ذاك:"أتيت لأشاركك الفرح لا الحزن. الله يزورك، فاخرج من غرفتك وتحدّث إلى الناس، لن تحيا إلا بعد أن تفعل هذا. إنّك تحيا مع أحزانك معتقداً أن ما من أحد ضربه الحزن أكثر منك... كن مع الناس، اطّلع على أحزانهم وتعاطف معهم. وسترى أنّ حزنك ليس بذي أهميّة مقارنةًبآلامهم، هكذا ستتحسّن حالك". 
صارت زيارة الأب يوحنّا علامة فارقة في سيرة الأب ألكسي. أقاما القدّاس الإلهي سويّاً في اليوم التالي، وكرّس الأب ألكسي حياته بالكليّة للناس الذين يأتونه من كلّ مكان. واعتاد على القول: "من السهل أن تقول أنا أحبّ كلّ إنسان، لكن محبّة كلّ إنسان هي التزام يدوم مدى الحياة ويلزمه الكثير من الخبرة". 
كإنسان منظّم ومرتّب جدّاً، كان الأب ألكسي يشدّد على رسم نظام للحياة وبناء قوّة الإرادة. كتبت حفيدته: "اعتاد الأب ألكسي أن يشجّع رعيّته على القيام بأعمال روحيّة مفيدة؛ حتّى الإنجازات الصغيرة ضروريّة طالما أنّها تبني قوّة الإرادة". 
كما شدّد على الصلاة كثيراً. كتب لأحدهم معترفاً بأنّه اعتاد على عيب في إرادته وشدّد على أهميّة غلبة هذا العيب: "عزيزي ك. ب، لقد أظهر الله لنا رحمة عظيمة ومع ذلك، فنحن الخطأة والكسالى، لا نعطيه دقيقة من حياتنا لنشكره فيها. فبدلاً من الصلاة التي تكتسي الأهميّة العظمى، ترانا ننصرف إلى المشاحنات والأعمال الروتينيّة، متناسين ما يختصّ بالله وواجباتنا". 
بعد الثورة الشيوعيّة، وتحديداً في سنواتها الأولى حينما ضربت المجاعة موسكو وكانت أحداث الشغب في أوجها والخوف يضرب الجميع، قصده المؤمنون وازداد عددهم جدّاً، فبدأ يجمع التبرّعات لإطعام المحتاجين والمتقدّمين في السنّ. 
تساءل الكثيرون، بعد رقاده، عن موقفه ممّا يحدث في البلد آنذاك. لكن عائلته وأقرباءه وأبناءه الروحيّين أجابوا بأنّه كان يكلّمهم عن المحبّة. اعتاد أن يعلّم قائلاً: "تذكّروا، إنّ ظلم هذا العالم فرصة لنا كي نُظهر محبّتنا لكلّ إنسان ونهتمّ بالذين هم في العسر والضيق الشديد... فرصة فعلِالأعمالالخيّرة لبعضهم هي رحمة من الله لنا، لهذا علينا أن نسعى على الدوام إلى مساعدة الآخرين. بعد كلّ عمل صالح تشعر بفرح وطمأنينة... ليس عندك شيء كي تخاف، وما من إنسان بإمكانه أذيتك". في الحقيقة، ما من إنسان استطاع أن يؤذي الأب ألكسي، ذلك الرجل الذي محبّته للناس لم تكن لتقاس.
استدعته الشعبة السياسيّة البلشفيّة مرّتين منذرة إيّاه بالابتعاد عن المؤمنين. لكنّه تابع عمله غير آبه بالإنذار. إلى أن أسلم روحه بسلام، على غرار يوحنّا الإنجيلي، على فراشه في العام 1924. 
في خضّم الاضطهاد المشتعل على الكنيسة رُسم ابنه سيرج كاهناً في العام 1919. اعتُقل في العام 1929، وفي العام 1941 أُعدم رمياً بالرصاص، تنفيذاً لقرار يقضي بالقضاء على جميع الكهنة المعتقلين.
أعلنت الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة قداسته وابنه في العام 2000. صلواتهما لتكن معنا جميعاً. آمين