كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

دخل أبرشيّته وقد قارب الأربعين. إنّه سنّ النضج، قال لنفسه، وهو يبتسم! قالت إحدى السيّدات المتقدّمات في السنّ لإحدى معارفه، وقد استشعرت من لهجتها أنّها من بلده:"نحن أرض عطشى، نرجو أن يكون لنا غيمة ممطار!". استبشر خيراً بكلماتها.
كانت الجموع غفيرة. استقبلوه بحرارة شديدة كشمس ذلك النهار. فرحهم به عفويّ، حملوه على أكتافهم حتّى باب الكنيسة. هبط ضغط دمه بعد ساعات، فأخذوه إلى غرفته.
ما شعر لحظة منذ دخوله الأبرشيّة أنّه في مكان غريب. الناس لطفاء واجتماعيّون! هكذا بدا له من كثرة أعدادهم وتنوّع مشاربهم واستمرار تدفّقهم على دار المطرانيّة. لاحظ كثرة الوافدين من غير دينه، فأكدّ لذاته أنّه سيكون مطران المنطقة كما يقول لقبه. 
انفضّت التهاني بعد أيّام وبدأ الجدّ. ما تصوّر قطّ حجم المطلوب منه حتّى تعرّف شخصيّاً إلى الرعايا. ألمّ بالواقع من قبل دخوله، لكن ملامسة القحط أمر مختلف جدّاً عن السماع به. رسم سياسةً تقوم على بناء البشر والحجر سويّاً. الحجر يسند البشر، والبشر يبنون الحجر، هكذا ظنّ في البداية، ليكتشف في ما بعد أنّه سيبني كليهما وحده!
المنطقة فقيرة لا اقتصاديّاً فقط، بل روحيّاً أيضاً. لقد أُهملت طويلاً. حال المباني الكنسية كالرعايا؛ بحاجة إلى "نفضة" وأيّ "نفضة"! هل تقوم نهضة بمساعي فرد واحد؟ ما كان يتخيّل هول الغربة الروحيّة السائدة، غير أنّه استمدّ أملاً من الغيرة التي وجدها في بعضهم، على ندرتهم. 
بدأ يستكشف الواقع وكم بدا مرّاً! بعد أيّام، ذهب يعايد أحد الكهنة في عيد شفيعه. بكى الكاهن العجوز عندما رآه يدخل إلى بيته القرويّ، في قريته النائية، الذي يشابه البيوت أيّام "سفر برلك". جلس بقربه على الأرض وسأله مستفهماً: "لماذا تبكي؟ هل تعاني من وجع ما؟ فأجابه: "لا، يا سيّدنا. إنّها المرّة الأولى التي يزورني فيها مطران!".
بعدما رتّب مكتبته، تابع القراءة في كتاب سيرة الأم تيريزا (كلكتا) "حتّى يوجع العطاء"، الذي أغلقه من بعد انتدابه إلى الأبرشيّة. لفته أنّه كان قد وصل إلى الفصل الذي يتكلّم عن اكتشاف دعوتها: "خدمة أفقر الفقراء". فرأى في ذلك رسالة شخصيّة له من الله.
شمّر عن ساعديه وبدأ العمل من لا شيء. اختبر، بشكل ملموس لا يُدحض، مراراً وتكراراً، ولا يزال، يد الله تسنده في مسيرة البناء. ما قام بمشروع قبل أن يضعه بين يدي الله سائلاً إيّاه مباركته. في حال فشل مشروع ما، وقد حدث أكثر من مرّة، ينساه وكأنّه لم يكن، لإيمانه بعدم مباركة الله له، وينتقل إلى آخر.
قضى السنوات الأربع الأولى في عوز شديد، لكن عطاء الله كان يأتيه، من حيث لا يدري، في اللحظة الأخيرة. كان قد اختبر في بدايات شموسيّته حدثاً، آمن أنّه درس إلهيّ مقصود لمنفعته، وقرأه رسالةً واضحة للاعتماد على الله فقط. فاعتاد أن يلوم نفسه بعد كلّ قلقٍ بخصوص المال. 
أوجعه، حتّى العظم، غياب النَفَس الرعائي من النفوس وانتفاء هاجس النهضة. ولم يفهم، في البدايات، النظرة السائدة الغريبة والمشوّهة إلى الكنيسة. فالاهتمام، إن وجد، محصور في مبنى الكنيسة، وما من واحد في وضع لائق ولو في الحدّ الأدنى. أمّا النفوس وخلاصها فأمر غير مطروح، ووجد أنّ قبوله من أصعب الأمور.
بدأ التعليم والوعظ من الأسبوع الأوّل. استلم الأبرشيّة في بداية الصيف ورافقه، مؤقتاً، طالبان يدرسان اللاهوت. هذان أخذا يزوران القرى يوميّاً ليعلّما الأطفال والشبيبة. 
بدأ بدوريّة من أربع صفحات، لينتهي بجريدة تحولّت بعد سنوات إلى مجلّة. وزّعها في السنوات الخمس الأولى مجّاناً في كلّ الرعايا، ليكتشف أنّ الغالبيّة لا تقرأها! لاقت تشجيعاً كبيراً خارج الأبرشيّة حيث انتشرت بوفرة، واستمرّت في الصدور بدعم المشتركين. تساءل: لماذا لا يساهم فيها الذين صدرت من أجلهم؟ ليعرف في ما بعد أنّهم لم يعتادوا هذا الأمر! الكنيسة تعطي! ثمّة قناعة عندهم بأنّها غنيّة. لكن ما من أحد يتساءل عن مصدر هذا الغنى، وكلّ ما يمتّ إليها في ديارهم لا يدلّ عليه! تلك كانت صدمة ليست بقليلة.
كان قد اعتذر من المجمع المقدّس عن انتخابه على أبرشيّة كبيرة في المهجر، فحوّلوه إلى هذه الأبرشيّة في الكنيسة الأمّ. لامه الكثيرون من معارفه، لكنّه ما ندم مرّة على اعتذاره، ولو أنّه أُحبط كثيراً وراودته الاستقالة غير مرّة. 
بعد عشر سنوات، سأل الله رأيه في التقدّم بالاستقالة، فأتاه الجواب في كتاب قديم عنده لم يكن قد قرأه بعد. وقعت عيناه عليه حالما نظر إلى رفّ المكتبة. أخذه عن الرفّ وبدأ القراءة. انذهل للتشابه المدهش بين معاناته ومعاناة ذلك المطران القدّيس. ووجد الجواب فيه، فنقله إلى اللغة العربية.
أتعبه تعلّم الصبر واقتناؤه. انتظر ست عشرة سنة حتّى بزغت أوّل دعوة كهنوتيّة من بين أبناء الأبرشيّة. هو ليس صبوراً بطَبْعه، ومتطلّب جدّاً في رؤيته للكنيسة وخدمتها، ورجل نشاط، وخلفيّته أبرشيّة ورعيّة حارّتين وغنيّتين بكلّ المقاييس! سأله مرّة أحد طلاب اللاهوت: كيف تأقلمت على الرغم من الفارق الهائل بين ما كنت فيه كاهناً وما أصبحت فيه أسقفاً؟ ابتسم وأتى جوابه عفويّاً: "بحبّ وآلام! ولمّا أزل أتأقلم".
بعد تخرّجه من كليّة الهندسة أعطى كلّ كتبه لأحد أقربائه الذي كان قد أنهى للتوّ دراسته للهندسة في أوروبا. لقد أنهى وعده لأبيه، وآن أوان تحقيق حلمه: الكهنوت. ما تخيّل قطّ أنّه سيستخدم علومه الهندسيّة من بعد! وكم راوده السؤال: هل صار أسقفاً ليعود إلى الهندسة التي درسها مضطرّاً؟ 
لقد شيّد وأنمى على الصعيد الوقفي، ولم ينسَ المعوزين "إخوة المسيح الصغار"، لكنّه أب روحيّ في النهاية وليس رجل أعمال! غير أنّه، بعد سنين طويلة ومعاناة، بدأ يفهم أنّ الله قد هيّأ له ما هو أفضل بكثير لخلاصه، ولم يبخل عليه بوجوه نيّرة ولو من خارج أبرشيّته! هذه قدّمت له، في مسيرته، تعزيّة وتشديداً ليسا بقليلين، ما ثبّته في خدمته.
أعاقه عن الالتحاق بالرهبنة غير أمر, إلا أنّ راهباً صغيراً بقي قابعاً في أعماقه، وكانت سيرة بعض ممتهني الفقر حبّاً بالمسيح قد حبّبته بنهجهم مذ كان يافعاً. فأعادته مسيرته الأسقفيّة في أبرشيّته "المنسيّة"، والتوحّد شبه القسري الذي وجد نفسه فيه، بعد محنة البلد الطويلة بخاصّة، إلى روح الهدوئيّة، ليكتشف حاجته إلى التوبة، وقناعته بأنّه ما كان ليرى ما يراه اليوم لو كان في مكان آخر.
بدأ يرى الأمور في مكانها الأصيل. هذا كلّه صار، في السنوات الأخيرة، يأخذه إلى الرحاب التي تتوق نفسه إليها أساساً.