كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

وجها الكنيسة الإلهيّ والبشريّ في توتّر دائم. الأوّل يدعو الثاني إلى التألّه، والثاني لا يلبّي الدعوة دائماً أو يستهين بها أو يؤجلها. الثاني يشدّ الكنيسة إلى الأرض والأوّل يشدّها إلى السماء. الأوّل يفتح الدرب إلى الحياة الأبديّة، والثاني يستحلي الحياة الأرضيّة، فيضع عوائق في هذه الدرب. الأوّل هو الله ومن يريده وما يتعلّق به ويبتغي الأمانة المطلقة له، الثاني هو الإنسان المدعوّ من الله، وثمّة من يستجيب ومن لا يستجيب ومَنْ بَيْنَ بَيْنْ وفي تغيّر وتبدّلٍ. 
الكنيسة كيان روحيّ سماويّ إلهيّ متجسّد في الواقع وموجود على الأرض كما هو موجود في السماء: إنّها جسد المسيح الحيّ. الكنيسة درب خلاص المسيحي وبيته، فيها ينمو روحيّاً وينضج وتُستعاد أهواؤه إلى أصلها. بواسطتها يتمّتم ملكوت الله على الأرض، في قلب هذا العالم المتخبّط والضائع. 
هذا يستتبع التذكير برسالة الكنيسة الأساسيّة: خلاص الإنسان، واستعادته إلى الملكوت الذي خُلق أساساً ليحيا فيه ويتسامى، بنعمة الله، من مجد إلى مجد. المسيح رأس الكنيسة ولذلك هي تطيعه، ولا تتصرّف إلا بحسب مشيئته، ولا تتوخّى إرضاء أحد سواه.
هذا كلام الإيمان، فماذا عن الواقع؟! الواقع أنّ أعضاء الكنيسة بشر خطأة، يجب أن يكونوا في سعي دائم إلى التوبة لكي يصيروا على قياس ربّهم، في حين ليسوا هم كذلك على الدوام، ولا تراهم بمستوى واحد من التقوى والفهم والغيرة. ترى هموم وتطلّعات الأكثريّة منهم محصورة بمطالب وأهداف أرضيّة بحتة، لا علاقة لها بالخلاص الذي مات المسيح وقام لأجل تحقيقه ومنحه لهم. 
خذ مثالاً يحدث في قلب الكنيسة ويسبّب انحرافاً عن الأمانة الحقّة. في سعيها إلى احتضان الإنسان، على مثال احتضان الله له، الكنيسة مدعوّة إلى مساعدته على الصعيد الإنساني والمادّي، هذا تعبير طبيعيّ فيها عن محبّة الله للبشر. أمّا إذا صار التعبير هدفاً بحدّ ذاته، فإنّه يحتلّ مساحة الهدف الأساس ويغطّي عليه، فتصير الكنيسة مجرّد كيان اجتماعيّ لا أكثر. يغيب الله فعليّاً عنها ويبقى اسميّاً. يسود فكر الدنيا بأبعاده المتعدّدة فيها: الإداري والاقتصادي والقانوني والتنظيمي...إلخ. يسيّر هذا الفكر، لا إنجيل المسيح، الكيانَ الكنسيّ.
لنأخذ مثالاً آخر يحدث من خارج الكنيسة. ثمّة شرّير موجود في هذا العالم. هدفه تدمير الكنيسة بكلّ السبل الممكنة، وهي كثيرة في هذا العالم الساقط. هذا يسلّط مفاهيم معيّنة لتسود وتنتشر وتلقى من يدعمها ويعمل على هيمنتها على المجتمعات البشريّة. مفاهيم تحارب الإيمان وتستخفّ بالكنيسة وتريد تحويلها إلى مجرّد كيان تابع خالٍ من الحضور الإلهيّ. الفكر الإلحادي، القيم الأخلاقيّة التي مرجعها الوحيد الإنسان الساقط (بالمعنى اللاهوتي)، نمط العيش الخالي كليّاً من استلهام حضور الله في حياة البشر والمجتمعات....إلخ.
في خضمّ هذه الحروب الروحيّة قد يتشتّت المؤمنون ويعمّ الانتقاد والتذمّر وكيل الاتّهامات، وقد يتوزّعون جماعات جماعات، لكلّ منها قراءته الخاصّة لما يحدث، وموقفه الخاصّ إزاءه، ولكلّ منها رأيه في كيفيّة تعاطي الكنيسة معه، إلى ما هنالك من مواجهات متنوّعة قد تصل إلى استعمال العنف أحياناً. 
وإذا ما نظرت بتجرّد وهدوء وعمق إلى ما يجري محاولاً فهمه وتحليله على نور المسيح وإنجيله وروحه القدّوس، ترى أنّ النزاعات كثيراً ما تكون حول أمور هي بالنسبة لجوهر الكنيسة، خارجيّة، وضعيّة، تتغيّر من زمن إلى آخر ومن حالة إلى أخرى، وقد لا يكون زمن تغيّرها طويلاً. 
يتّخذ الكثيرون موقفاً مؤيّداً أو عدوانيّاً إزاء الإدارة عموماً في الكنيسة: إدارة الأوقاف، الجمعيّات، المؤسّسات...إلخ ويتنازعون ويسبّبون الخيبات لغيرهم إذ يصطدمون ببعضهم بعضاً. لا ترى الكثرة في الذين يطلبون حكم الله، بل القلّة. كلٌ يريد الحكم لله كما يراه هو، مصدِّقاً أنّها رؤية الله!!
يخطئ من يعتقد أنّه ينقذ الكنيسة بإمكاناته الشخصيّة مهما كانت عظيمة. سيّدها وحده المنقذ والمخلِّص. هو يستخدم من يراه وبالطريقة التي يرتأيها لكي يخدم كنيسته ويدافع عنها. دور المؤمنين أن يعملوا ليل نهار على جعل أنفسهم أوعية طاهرة كي يعمل الله فيها في الملمّات. 
في القرن الثامن عشر تسرّبت أفكار ما سُمّي عصر الأنوار من أوروبا إلى روسيا. اعتنقت الطبقة المثقفة أوّلاً الأفكار الغربيّة الجديدة القائمة على الإنسان لا على الله، ومن ثمّ انتشرت فلسفة اتّخاذ هذا العالم الساقط نموذجاً للإنسان بين طلّاب الجامعات لتعمّ المجتمع الروسيّ. وتبنّاها القيصر، فألغى المركز البطريركي وأصدر مرسوماً يمنح الدولة أوليّة القوّة على سلطة الكنيسة. فحوربت الحياة الروحيّة وسادت الماديّة. من أصل 954 ديراً في روسيا أُغلق 754، إبّان حكم كاترين الثانية، وحُظر، تحت طائلة التحريم، فتح أديرة جديدة من دون إذن السلطات الرسميّة... يعتبر الكثيرون هذه الأحداث أسس الأحداث التي جرت بعد العام 1917. 
أرسل الله في ذلك القرن ثلاث شخصيّات أنقذت الكنيسة والبلد ممّا يجري، من دون أن تتعرّض مباشرة للأسباب التي تفتّت الكنيسة والأمّة. القدّيس سيرافيم ساروف، الأب الروحي الناسك الذي منحه الله موهبة التبصّر والإرشاد والحنوّ والشفاء. والقدّيس تيخن الزادونسكي، أسقف فاشل إذا قرأناه بالمفهوم الإداري، لكن قداسة حياته، مع أنّه لم يُجرِ عجيبة واحدة، طبعت كتاباته بالروح التي يفتقدها المجتمع الروسي آنذاك، فانتشرت انتشار النار في الهشيم، والقدّيس باييسيوس فيلتشكوفسكي الذي، وهو خارج روسيا، ترجم نصوص الصلاة القلبيّة المعروفة ب"الفيلوكاليّا"، إلى السلافيّة، فطُبعت طبعات متتالية في سنوات قليلة وأشعلت نيران التجدّد الروحيّ في سائر أنحاء البلاد. 
لله طرقه في حفظ كنيسته، وإذا ما سمح لها مرّات أن تخسر بالمفهوم الأرضي فلكي يحفظ جوهرها ويحفظها سفينة خلاص للبشريّة. كثيرون يعتبرون أنّه لولا الاضطهاد الرهيب الذي تعرّضت له الكنيسة في القرن العشرين، لكان النمط الغربي المُقصي لله من حقول حياة الإنسان على اختلافها قد انتشر فيها وما عادت قادرة على التحرّر منه.
المهمّ في الأمر، أنّ القلوب الصافية النقيّة التي تطلب الله بتجرّد ونسك وصدق، هي التي تصير مطارح الحضور الإلهي وورشات عمل الروح القدس، ومن خلالها يوجّه الله كنيسته ويحميها ويحفظها. هو سيّد التاريخ والكنيسة. لا ننسيَنَّ أنّه قال لنا: "ثقوا [بي] لقد غلبتُ العالم".