كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

(حديث منقول ومنقح، باختصار،عن آلة التسجيل)

نحتاج، بداية،إلى الاتفاق حول وجود تغيّرات في العالم! هل العالم الذي نعيش فيه ثابت أم متغيّر؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى غريباً، لكن ثمّة من يعتقد،ونتحدّث ضمن نطاق كنيستنا على الأقلّ، بأنَّ لا شيء قد تغيّر، وبأنَّ الحياة هي هي، والخطيئة موجودة دوماً وكذلك الشيطان، فلا شيء تغيّر في الجوهر. يدفع الخوف على ثبات الإيمان والعقيدة ممّا يحدث من تغيّرات متنوّعة في عالم اليوم إلى هذا الاعتقاد، فيرفض أصحابه مقولة "العالم يتغيّر"، ويعتبرون أنَّ الشكل فقط هو المتغيّر.
ليس التغيّر وليد اللحظة، فاليوم نشاهد تسارعاً في التغيير، ولكن مسيرته بدأت منذ بضعة قرون ولا تزال، ككرة الثلج، تتدحرج وتتسارع. ويُعزى تسارعها الحالي إلى انفجار التطوّر العلمي والفكري بعد سنين من التخمّر والنمو البطيء.
بعض أسباب
تعود النقلة المفصليّة في الفكر البشري إلى ما عُرِف في أوروبا في القرن السابع عشر، بعصر أو فلسفة الأنوار. نقلت هذه الفلسفة مركز الحياة ومحورها من الله إلى الإنسان. قبل ذلك كان الفكر دينيّاً محضاً، وكان كلّ شيء يُعاد إلى الله، حيث يلعب الدين دور المرجع في كلّ شيء في حياة البشر. كان الله مركز البشرية والفكر البشري. مع بداية ما سُمِّيَ ب"عصر الأنوار"، انتقل مركز الثقل إلى الإنسان الذي صار المركز والمرجع، وسريعاً بدأ البحث عن الإنسان الخارق Super، الذي بمقدوره تدبّر أموره بمعزل عن الله، والبحث عن الإنسان الذي يستطيع أن يسيطر على الطبيعة بقوّته. بالطبع، ساهم التقدّم العلمي في هذا الانتقال، بالإضافة إلى الفلسفات التي نشأت في ذلك الحين، وتطوّرت في ما بعد، ونادت بموت الله، وبالإنسان الإله، وبأنَّ الإنسان هو الله. صار التركيز على الإنسان بدلاً من الله وتبعه حالاً التركيز على العقل بدلاً من القلب. 
مقولة القسّ "عالم اللاهوت" اللوثري ديتريتش بونهوفر (+1945) تُظهر مدى استفحال هذا الفكر في الغرب، حتّى في المجال الديني. يقول: "لم يعد الناس يحتاجون إلى الله. والله يريدنا أن نحيا وكأنّه غير موجود. على الناس أن يحلّوا مشكلاتهم بأنفسهم، لا أن يسألوا الله حلّاً لها"!!
هكذا نشأت هذه الأفكار الجديدة، ولكن بمرور الوقت يصبح كلّ جديد قديماً، ليصير مألوفاً، ومن ثمّ مقبولاً، وعند ذاك يسهل تبنّيه، فيتفعّل ويؤثّر في الآخرين. وهذا ما نراه اليوم في الفكر الغربي بخاصّة والعالمي المتأثر به بعامّة.

هل من الخطأ أن نركّز على الإنسان؟! لا، نحن مدعوون إلى خدمة الإنسان ورفعه ليصير، بنعمة الله، على مثال الله، لا ليصير بديلاً لله.لاهوتيّاً نحن نعلم أنًّ إنسان هذه الأرض هو إنسان ساقط [من حضرة الله]. فحين نعتبره هو المركز والمحور والمصدر والمرجع، نكون قد نصّبناه باعتباره المثال، وهو في الواقع ليس كذلك. من هنا نقرأ الصرعات والتغيّرات الأخلاقيّة التي نراها اليوم. ذلك لأنَّنا نعيش في زمن أضحى حضور الله غائباً بل مغيَّباً عن المجتمعات الغربيّة، وهي المجتمعات المتقدّمة والمؤثّرة في العالم. لقد تجاوزت هذه المجتمعات العلمانية، باعتبارها فصلاً للدين عن الدولة [بغية الوصول إلى المواطنة الكاملة والتحرّر من سلطة الكنيسة]، واتّبعت ذهنيّة هذا الدهر فأصبحت دهريّة، بمعنى اقتصارها على تبنّي فكر هذا العالم، الذي ينهى الإنجيل عنه، وتغييب الله عن سنّ الشرائع والقِيَم والقوانين.
كذلك الحربان العالميّتان، بما سببتاه من آلامٍ وفظاعات، أدّتا بالبشر إلى الكفر بكلِّ القيم لا بالله فقط. ففي زمن الألم والحرب والشدائد والمذابح يُطرَح السؤال بشدّةٍ "أين الله! أين الله!". نجم عن هذه الحروب نموّ للإلحاد والكفر بكلّ القيم التي كانت متداولة وقتئذٍ. فأُفلِتَ زِمامُ الأمور، وانفجرت الثورة الجنسيّة وسادت، كإحدى إفرازات الحرب العالميّة الثانية، بعد أن كانت قد نشأت عن الثورة الصناعية.
عندما يرفض الإنسان شيئاً ما نتيجةَ انفعالٍ معيّنٍ أو خبرةٍ مُرَّةٍ، فإنَّهُ يسير في طريق الخطيئة، يتذوّقها، فتتملّكُه ويصبح من الصَّعب عليه التخلّص منها والرّجوع عنها بسهولةٍ. ما ساهم في تسارع الانزلاق الأخلاقي والقيميّ وتفكّك العائلة.
ساهم أيضاً في الوصول إلى هذا الواقع المتفكّك، نمو المدن الصناعيّة الكبرى، وساعات العمل الطويلة التي لا تترك مجالاً للإنسان لكي يخصصَّ وقتاً لأولاده ولعائلته ولأموره الأخرى. فهو يعمل منذ ساعات الصباح الأولى وحتّى المساء المتأخر، ويعود إلى منزله منهكاً لا حول له، يأكل طعامه ويستريح قليلاً ومن ثم ينكبُّ نائماً ليتمكن من الاستيقاظ باكراً إلى يوم عمل جديد. لقد أنتج المجتمع الصناعي إفرازات أخرى تكاملت مع سابقاتها لتنتج إنساناً مرهقاً عصبيّاً ومادّيّاً، ومتعباً من كثرة الضغط الإعلامي المُمارَسِ عليه، وتالياً عاجزاً عن التعمّق والتفكير والتحليل. 
هيمنة "عصر الصورة" والثورة الإعلاميّة والتواصليّة، دفعتا بالإنسان إلى قبول ما يُعرض عليه بسهولة أكثر من ذي قبل. أصبح الإنسان الحديث عرضة للتأثر بما يسمع ويرى. الإنتاج الإعلامي غزيرٌ ويغزو الإنسان في كلّ مجال ووقت، ويعيقه عن التمييز بين الأمور ورفض ما لا يوافقه.
التطوّر التكنولوجي المتسارع جعل الإنسان يستغني عن الإنسان ويستبدله بالآلة. سيطرت الآلة شيئاً فشيئاً على الإنسان، فأصبح يستسهل التعاطي معها أكثر من التعاطي مع نظيره الإنسان، ما حبّبه بالعزلة التي، بدورها، ضخّمت أنانيّته بشكل قاتل. عشرة الآلة الصمّاء، الخالية من الإحساس نقلت اللاإحساس إلى الإنسان، ما أنهكه لأنَّ هذا الأمر ضدَّ طبيعته. صار العالم في عصر الروبوت الآن!
كلّ ما سبق من الأسباب وغيرها، التي يضيق الوقت بنا للتحدّث عنها جميعها، أنتجت إنساناً مرهقاً عصبيّاً. فالتوتر والإرهاق والاكتئاب والتعب النفسي والضجر علامات مميِّزة لإنسان اليوم. إنّه إنسان مستنزَف، وقته مفقود، يبحث عن الوقت ولا يجده، وفي الوقت نفسه يعاني من الضجر! يخاف البقاء وحده ويحتاج إلى خلفيّة على الدوام.
يُضاف، في بلادنا، عاملان يلعبان دوراً فاعلاً في هذا المجال أكثر ممّا هو في بلدان أخرى، هما البعدان الاقتصادي والأمني، وافتقاد القدرة على التأقلم الحرّ مع الواقع المرّ. 
ساهمت هذه العوامل جميعها في جعل الإنسان منشغلاً ومُتعبَاً وسطحيّاً وغير قادر على التحليل، وتالياً، مسيّراً إلى حدٍّ كبير.

يتبع ...