كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

حديث منقول ومنقح ، باختصار، عن آلة التسجيل

يفرز هذا الوضع الذي نعيشه اليوم على أرض الواقع، ظواهر وأنماط عيش وتفكير جديدة بالكليّة، ما يؤدي إلى تغيّر في الإنسان. تتوسّع الهوّة بين جيل وجيل ويقصر زمنها، إذ ليس بمقدور جميع الأجيال عيشها بالطريقة نفسها. فالجيل الجديد يعيشها، بينما من يكبره ببضعة سنوات فقط لا يستطيع عيشها وتفهمها مثله.
نضرب بعض الأمثلة. وأذكّر بأنّني أتناول الموضوع من الزاوية الرعائيّة وبشكل عامّ.
عندما كنّا أطفالاً، كان الكبار ينتهروننا إذا ما انتقدنا كاهنًا ما أو تحدثنا عنه بعدم احترام. لسان حالهم: لا نتكلّم بالسوء على الكاهن، ولو أخطأ، إجلالاً لثوبه، [يقصدون كهنوته]. أمّا جيل اليوم فيحترم الكاهن لأجل شخصه، لا لأجل ثوبه. هل يستوعب الخادمون والعاملون في الحقل الكنسي هذا التغيّر؟
إنسان اليوم مرهق، يعمل طويلاً، وغالباً أكثر من وظيفة، ويعود من عمله، في بلادنا، ليسهر مع أصدقائه وينام متأخراً، ما يزيد من إرهاقه الجسدي والعصبي. يأتي إلى الكنيسة ليسمع ما يعزيه ويساعده على اكتساب السلام، لذا تراه ينفر من الأصوات المرتفعة والحادّة، ولا يستطيع تحمّلها [هو مشبع بها أساساً]. هل يعي المرتلون والكهنة ذوو الأصوات الجميلة هذا الأمر؟
عندما لا نفهم الإنسان المعاصر، لا نعرف كيف نقدّم له المسيح. لنأخذ مثالاً آخر: معايير الذوق والجمال التي تبدّلت عمّا كانت عليه في الماضي. يقوم الجمال اليوم على انسجام الألوان والخطوط، لا على الحفر والمبالغة في النقش والتطعيم... في سياق بناء كنائسنا وتجميلها هل نأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار؟ عندما نرعى شعباً، ألا يجب أن نعرف كيف يفكّر هذا الشعب وماذا يساهم فيه إيجاباً وسلباً؟
قبل أن نخوض في الحقل الرعائي المطلوب أمام تحدّيات تغيّر الإنسان المتسارع، ونبدأ بإلقاء اللوم على الكنيسة لتقصيرها، علينا أن ندرس الواقع والتراث جيّداً. في الحقيقة، نشهد تغيّرات لم تختبرها الكنيسة سابقاً. بعضها تختبره حاليّاً للمرّة الأولى. قد يقول قائل: الفسق والفاسقون موجودون طوال التاريخ. نعم، ولكن لم يكن الفسق يطبع الحياة العامّة بالشكل الذي نراه اليوم. كيف عليك أنت أن تتعاطى مع هذا الأمر اليوم؟ ليس لدينا خبرة سابقة. ولغة الماضي لا تنفع مع جيل اليوم. كان المجتمع، بعامّة، عفيفاً حتّى فترة قريبة، ويشجّع على العفّة، ولو وُجد أناس فاسقون. هل كانت الصور والأفلام الإباحيّة متوفّرة بين الأيدي مثل اليوم؟ من الصعب على الإنسان اليوم أن يقتني فكراً طاهراً نقيّاً كما كان في الماضي، من دون جهاد كثير ونعمة إلهيّة.
كثيرون يظلمون الكنيسة في هذا المجال، فيقولون إنّها لا تواكب ولا ترافق ولا تستوعب التغيّرات. ثمّة تقصيرٌ لا شكّ فيه، ولكن التعاطي مع أمر غير مطروح سابقاً في التراث ليس بالأمر السهل. نحتاج، بمعونة المتقدّمين روحيّاً والمختصين بالعلوم الإنسانيّة، إلى أن نستلهم سويّاً الروح القدس لنتبيّن السبيل إلى التعاطي مع هذه التغيّرات. يقول أوليفييه كليمان، في أحد كتبه: بأنّك لو تحدّثت مع الشباب الفرنسي عن العفّة، فلن تستطيع اجتذابه إلى المسيح، ولكن إذا حدّثته عن التفاوت الاقتصادي بين الشمال والجنوب، فسيتجاوب معك، ومن هنا تجذبه إلى حياة المحبّة والعطاء ليكتشف وجه المسيح. ثمّة لغة بشاريّة جديدة علينا أن نسعى لنكتسبها كي نتمكن من إيصال المسيح إلى إنسان اليوم.
ما يدعو إليه ذلك اللاهوتي ليس بالجديد في تراثنا المسيحي، فقد استخدمه بولس الرسول عندما دخل إلى مدينة أثينا. خاطبهم بلغتهم، وانطلق من واقعهم واستشهد بشعرائهم، عندما ابتدأ خطابه بالكلام عن مذبح "الإله المجهول" الذي نصبوه في مدينتهم. نزل إليهم، وعاد بعدئذ ليرفعهم إلى المسيح. الكنيسة، رعاةً ومؤمنين، بحاجة إلى اكتساب هذه المهارة. إذاً، لننتبه لئلّا نظلم الكنيسة ونجلدها ونحمّلها فوق طاقتها، من جهة، ولئلّا نرتجل حلولاً سريعةً لا تستند إلى تراثنا ولاهوتنا، من جهة ثانية.
ما نشهده اليوم يتطلّب حواراً، علينا أن نتقن هذا الحوار. يغلب على بشارتنا طابع الوعظ والمحاضرات، أي الطابع التعليمي التقليدي أو بالأحرى التلقيني. إنسان اليوم بحاجة إلى الدخول في حوار، وفي الوقت ذاته إلى تعليمه أصول الحوار. هنا يبرز دور الحلقات المشتركة والحوار الشخصي والسهرات الإنجيليّة وما إليها. يمكننا اختصار المطلوب من الكنيسة في هذا الزمن إلى ثلاث كلمات: النهوض بروحانيّتنا وإعادة إحيائها واكتشاف أساليب البشارة المطلوبة. 
هذا يعني ضرورة معرفة روحانيّتنا بعمقها وصفائها من ينابيعها. نحن غالباً ما نكتفي بالشعارات ونتوقّف عندها، ونكرّرها. الشعارات لا تكفي اليوم، لأنّها لا تجتذب الناس إلا سطحيّاً ومؤقتاً. ذلك لأنّ الإنسان لم يعد على التقوى البسيطة القديمة؛ إنسان هذا الزمن لديه شكٌّ أكثر مما لديه تقوى. وفي مجتمعنا الشرقي نحن متعلّقون بالدين اجتماعيّاً أكثر منه شخصيّاً، وينعكس هذا الواقع ضعفاً روحيّاً على الصعيد الشخصي. هذا يبدو واضحاً في إهمال الصلاة الشخصيّة وممارسة سرّ الاعتراف. 
ثمّة ظاهرة خطرة في هذا الحقل، ألا وهي التعاطي مع آباء الكنيسة وأمّهاتها، ينابيع روحانيّتها ولاهوتها الأصيلة. يتعاطى الكثيرون مع آباء الكنيسة بسطحيّة وتسرّع. يحفظون قولاً من هنا وآخر من هناك، خارج السياق الذي وردت فيه، فيقتبسونها حرفيّاً وينادون، بتشدّد كبير، بتعليم ما انطلاقاً منها!
الإنسان الحالي المتعب بحاجة إلى تفهّم واحتضان ومحبّة، يقدّر كثيراً مشاركته في أوجاعه. لا يتقبّل التعليم الفوقي والمؤطَر، بل ينفر منه لأنّه لا يستطيع تحمّله. هل عبثاً انتشرت عفوياً، شهرة بعض القدّيسين المعاصرين كسلوان وباييسيوس الآثوسيّين وبورفيريوس الرائي، في السنوات الأخيرة؟ هؤلاء أحسّوا بأوجاع البشر وشاركوا فيها ببذل حياتهم في سبيل الآخرين والصلاة الصادقة لأجلهم. التعليم المقرون بالمحبّة الحاضنة هو التعليم الفعّال والمؤثّر. وهذا أسلوب ربّنا أساساً: "تحنّن عليهم لأنّه وجدهم غنماً لا راعي لها". محبّة المسيحيّين للخليقة الحيّة مطلوبةٌ اليوم أكثر من أيّ وقت مضى. فالإنسان يحيا في مظاهر تدلُّ على أنّه محبوبٌ جدّاً، ولكنّه في الواقع، يفتقر إلى المحبّة الحقيقيّة. 

يتبع ...