كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

حديث منقول ومنقح، باختصار، عن آلة التسجيل

هنا يحضر دور الإصغاء. نحتاج إلى أن نقتني القدرة على الإصغاء. فالإنسان المعاصر، بسبب من إرهاقه وقلقه ومعاناته، يعيش في عزلة داخليّة، على الرغم من كلّ الاجتماعيّات التي تحيط به، ولا يستطيع الخروج من عزلته لأنّه لا يملك المقدرة على المشاركة. يدفعه توتّره وتعبه الدائمين إلى إفراغ ما بداخله والتعبير عن نفسه، وهذا لا يتحقّق إن لم يلتقِ بمن يمتلك هدوءاً وسلاماً داخليّين، وتالياً القدرة على الاستماع. يتطلّب الإصغاء سلاماً داخليّاً، نحتاج إلى أن نعيشه، بنعمة الربّ، على صعيد حياتنا الشخصيّة. "كن في سلام وألوف من حولك سيجدون الخلاص" (القدّيس سيرافيم ساروفسكي). إن لم يخرج الإنسان من ذاته ويُفرِغ ما بداخله، فمن الصعب عليه أن يلتقي بالمسيح مهما وعظناه وتحدّثنا إليه. 
هذا يذكّر بأهمية البعد التقديسي في حياة الرعاة، وعيشه على صعيد حياتهم الشخصيّة أوّلاً ومن ثم خدمتهم الرعويّة، لا خدمة رتيبة، بل خدمة حيّة وفرِحة وخشوعيّة بكلّ معنى الكلمة. 
من المهمّ للعامل في حقل الرعاية، ألّا يقبل أيّ شيء كما هو. يحتاج إلى امتلاك القدرة على التحليل والتشاور مع إخوة مُختبِرين. ما الدافع أو الحاجة إلى هذا الأمر أو إلى غيره؟ يطبع الانتقاد واقعنا بشدّة، فهل نعرف دائماً ما هو الدافع من وراء الانتقاد؟ تتدافع الأخبار على الإنسان الذي لا يملك الوقت الكافي للتفكير والتمييز بين الخبر الصحيح والكاذب، فيترسّخ عنده انطباع خاطئ، ليصير قناعة راسخة مع الزمن. كيف يحرّر نفسه من الأفكار والمفاهيم المغلوطة؟ كيف تساعده الكنيسة ليبلغ إلى التحرّر المطلوب؟ أن نعيش الهدوئيّة المسيحية وأن نمتلك روح الصلاة. هل عبثاً يزداد تردّد الناس، وفئة الشبيبة منهم بخاصّة، على الأديرة؟
تتوسّع الهوّة بين المؤمنين والرعاة، كهنة وعلمانيّين. أحد أسباب هذا الاتساع يعود إلى أنّه ليس من وقت كافٍ لدى الإنسان المعاصر للانخراط في فعاليّات الكنيسة، بينما الكنيسة لا تزال تخاطبه باللغة التقليديّة، الفوقيّة والجافّة والقائمة على التعليمات؛ فلا يشعر بأنّها موجّهة له، لأنّها لا تلمسه. يُعتبر اكتساب روح الصلاة والعيش وفقه من الأمور الضروريّة، كما الإصغاء والحوار والتركيز على الحريّة الحقّ وإبراز المسيحيّة طريقَ حياة، أكثر منها واجبات وقوانين وفروض.
المسيحيّة نهج حياة. يدعوها الرسل "الطريق" أو "الطريقة"، فالكلمة اليونانيّة تعني الاثنين (أعمال الرسل). "أتيت لتكون لكم حياة، بل ليكون لكم ملء الحياة" (يوحنا 10:10). علينا أن نكتشف المسيح كحياة، وأن ننقل هذه الحياة إلى الآخرين. ومن ثمَّ عندما يعرفون هذه الحياة ويحبّونها سينخرطون فيها. عندئذٍ يستوعبون أنّ بعض القوانين والشرائع والأنظمة والترتيب الموجود في الكنيسة إنّما هو لتهذيب حياتهم وتنميتها وترقيتها، عبر حضور حيّ وفعّال لله فيها لا لتنفيذ فروض واتّباع قوانين لمجرّد إرضاء الله والحصول على رضاه.
لست أدعو إلى حياة مسيحيّة خالية من القوانين، بل أقول: علينا أن نعرف كيف نُظهِر الوجه الحياتي الجميل والحيّ في المسيحيّة. إذا اتّبع أحد ما قوانين الكنيسة وفروضها، فستدفعه قدماً في طريق النمو والترقّي الروحيين. ثمّة فارق كبير بين الكلام عن القوانين باعتبارها الهدف، وتطبيقها واحترامها باعتبارها وسيلة مساعِدة لا بد منها. يقول القدّيس سيرافيم ساروفسكي: "حتّى الصلاة والصوم وأعمال الخير ليست هدف المسيحي، إنّما هي وسائل من أجل الوصول إلى الهدف". ألن يتّهم الكثيرون من يقول هذا الكلام اليوم بأنّه هرطوقي؟ هؤلاء هم قدّيسونا وآباء كنيستنا، الذين علينا اكتشافهم من ينابيعهم، وليس من تجميع بعضٍ من كلماتهم، من هنا وهناك، كي نؤسس حزباً يرفع لواء استخدامهم لدعم أفكارنا الخاصّة. لا تجري الأمور على هذا النحو. علينا أن نعيش روح الآباء حتّى نستطيع فعل هذه الأمور.
إنسان اليوم يحتاج بشدّة إلى محبّة حانية. صار الكلام عن المحبّة ممجوجاً، لكثرة استهلاكه! الحاجة هي إلى محبّة متجسّدة ملموسة. فلننسَ الشعارات، لم تعد مفيدةً، لا بل تولّد ردّة فعل عكسيّة، ولنتقن كيفيّة وأصول التعبير عن المحبّة وتجسيدها في الواقع الحياتي فعلاً وبشكل محسوس ومنظور.
لم يعد للخطاب القائم على الانفعال أكثر من الموضوعيّة من تأثير. لا يمكن إيصال الإنسان المعاصر إلى المسيح بالانفعال، فهو، أساساً، إنسان تتنازعه انفعالات مستمرّةٌ ولم يعد قادراً على تقبّل الروحيّات بسهولةٍ. كيف نحرّك شيئاً ما بداخله؟ كيف نحثّه؟ كيف نوقظ شوق الاكتشاف عنده؟ ألا يتطلّب الجواب تبادل الخبرات هنا وثمّة وتقييمها، باستمرار؟
للأنشطة الرعائيّة دور هام، شرط أن تكون هادفة إلى خلاص المؤمنين. كيف نحضّر نشاطاً يؤمّن الفائدة الروحيّة والإنسانيّة معاً؟ هدف النشاط الكنسي إحياء البشر ومساعدتهم على النمو في الحياة التي في المسيح. رسالة الكنيسة هي خلاص البشر ولا شيء آخر. كذلك تحتاج الأنشطة إلى تقييم دوريّ ومستمرّ، لمعرفة مدى فعاليتها وأسباب نجاحها أو فشلها.
فرح الاحتفال بالإفخارستيّا واختبارها حياةَ شركةٍ أخويّة شبه غائب عن أوساطنا. كيف نمدّ الإفخارستيّا إلى خارج الكنيسة، إلى ميدان الحياة اليوميّة؟ كيف تصير الإفخارستيّا قلب الجماعة المسيحيّة المغذّي والنابض بالحياة؟ كيف تصير إفخارستيّا حيّة لا مجرّد طقس جامد أو رتيب؟ أين رعايانا من عيش وحدتها في الإفخارستيّا؟ يتكلّم القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم عن الإفخارستيّا، التي بعد الإفخارستيّا! لماذا لا نعيشها؟! ولماذا لا نعيش ونتذوّق ونختبر فرحها وفرح اللقاء مع المسيح الذي يجعلنا نلتقي بإخوتنا، وتالياً ينتفي الشعور بأنَّ كلّ شخص متروك وحده، بل يدرك أن لديّه إخوة لا يتخلّى عنهم وهم بدورهم لا يتخلّون عنه؟ يحتاج هذا إلى تعبير. وأعود هنا وأربط هذا الموضوع بتجسيد المحبّة. في الواقع، في بلادنا، نفوس طيبةٌ جدّاً، لكنّها لا تعرف كيف تجسّد إيمانها وكيف تعبّر عنه بالشكل الأمثل، نتيجة لغياب الفهم الروحي الأصيل والحرّ. 
هنا أختم بالإشارة إلى أهميّة أن يكون الراعي واعياً لما يحدث من تغيّر للإنسان، الذي هو مدعوٌّ لخدمته والذي أُقيم راعياً وكاهناً من أجل خلاصه.