كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

الافتراء شرّ عظيم. كما أنّ دفّة السفينة صغيرة لكنّها توجّه السفينة كلّها حيثما تريد، هكذا يقود اللسان الإنسان إمّا إلى الخير أو إلى الشر. يستهجن الآباء القدّيسون، بشدّة، الحكم على خطايا وأخطاء الآخرين وعاداتهم الشرّيرة. عندما ندين أخانا، فإنّنا نعرّض أنفسنا لخطيئة عظيمة. أمّا عندما نغطّي أخانا، فالله يحمينا من الخطايا العظمى. عندما نشهّر بأخينا نبعد نعمة الله عنّا، فيسمح الله لنا بالسقوط في نفس الخطايا، لكي نتعلّم بأنّنا جميعاً ضعفاء وأنّ نعمة الله هي التي تدعمنا. من يحفظ لسانه يحفظ نفسه من خطايا عظمى وسقطات محزنة. الكبرياء والأنانيّة هما سبب الافتراء والانتقاد الرئيس. لهذا السبب من المفيد جدّاً للإنسان أن يفكّر في نفسه على أنّه آخر الكلّ، وهكذا يعتبر أخاه أفضل منه، لكي بمعونة الله ينجو من الشرّ.
إذا دفعك شيء ما إلى انتقاد أخ أو دير في أيّ أمر، فبدلاً من الانتقاد حاول أن تصلّي من أجل هذا الأمر، من دون أن تدينه بعقلك. إن حوّلت الأمر في داخلك إلى الصلاة والتواضع والنوح ستجد كنزاً روحيّاً يحفظك من الكبرياء والانتقاد.
كن متيقظاً يا ولدي ألّا تحكم على أيّ نفس، فالله يسمح للذي يحكم على قريبه بأن يسقط، وذلك لكي يتعلّم أن يمتلك تعاطفاً مع أخيه الضعيف. رحمة الله تدعم كلّاً منّا، لكن إن تكبّرنا يسحب الله نعمته، فنصبح أسوأ من الآخرين. ثمّة فارق بين أن تدين شخصاً ما وأن تُحاربك أفكار الإدانة. ارتكاب فعل الإدانة هوى رهيب، أمّا هجوم أفكار الإدانة علينا وانتصارنا عليها ففرصة لنا للحصول على الأكاليل.
على كلّ شخص أن يحمل ضعف الآخرين. من هو الكامل؟ من يمكنه التباهي بأنّه حفظ قلبه غير مدنّس؟ كلّنا مرضى، ومن يدين أخاه لا يدرك بأنّه هو نفسه مريض، لأنّ المريض لا يدين مريضاً. أحبّوا وتحمّلوا وتغاضوا، ولا تغضبوا ولا تهتاجوا، اغفروا بعضكم لبعض، فتتشبّهون بالمسيح وتُعَدّون مستحقين لأن تكونوا بقربه في ملكوته. يا أبنائي تجنّبوا الإدانة - فهي خطيئة عظيمة جدّاً. يحزن الله، بشدّة، عندما ندين الناس ونشمئز منهم. فليكن اهتمامنا بأخطائنا فقط – فعليها وحدها يجب أن نشعر بالألم. لِنَدِنْ أنفسنا فنجد رحمة ونعمة من الله.
أحبّوا بعضكم بعضاً، ولا تدعوا الأنا يمرمركم. التواضع مرشد موثوق؛ لأنّه لا يدع من يمتلكه يرتطم باللامبالاة فتنكسر سفينته وتتخلع أشرعتها، بل، كمرشد مستنير، يقوده على نحو كامل إلى الأرض الآمنة. خَفْ هذا وناضل لكي تمتطيه، لأنّه بقدر ما يكون فينا يجرحنا بالألم المناسب. أترّجاكم أن لا ينتقد واحدكم الآخر، لأنّ الانتقاد أنا صريحة. اعذروا أخطاء أخيكم؛ ففي هذا مقدّمة التواضع والحبّ. فالأخ الذي يفعل هكذا يجد نعمة وافرة عند الله، أمّا الذي يحكم على قريبه ويفضحه فليعلم بأنّه لن يعدم النعمة فقط، بل حتّى وإن امتلك شيئاً حسناً سيخسره، فليتعلّم درس التواضع من خلال الآلام. خَفْ، بخاصّة، من الانتقاد الداخلي، أي من أفكار الانتقاد، لأنّها لن تظهر للعلن بكلمة منطوقة، وتالياً لن يصحّحها أحد من العارفين بالحقيقة. انتبه للأفكار التي من الداخل، التي، عن غير وعي، تجعلنا مذنبين ذنباً مميتاً وتحرمنا من حياة النعمة الإلهيّة وتُقدَّم باعتبارها شراب النفس الأمرّ والمميت. أصلّي لكي تسود فيما بينكم، وفي كلّ تعابيركم، المحبّة والتحرّر من الانتقاد، لكي ما يستريح الروح القدس في نفوسكم.
تفيد الخبرة بخطأ اتّهام وإدانة إنسان ما من دون تمكينه من الدفاع عن نفسه. كما يقول الإنجيل المقدّس أيضاً: "هل يحاكم ناموسنا إنساناً قبل أن يسمع منه ويعرف ما قد صنع"(يو7/51). إن لم نكن منتبهين، ستتراكم، في داخلنا، خطايا كثيرة بسبب إدانة الآخرين، وسنحتاج إلى التوبة آنذاك. كم يتوب الإنسان عمّا قد نطق به! لنُبقِ في أّذهاننا كلمات الأنبا أرسانيوس: "كثيراً ما تكلّمت وندمت أمّا عن الصمت فلم أندم قطّ". إن كانت حاسّة اللمس تخدعنا فكم ننخدع، إذن، بكلمات الناس؟ لذلك نحتاج إلى المزيد من اليقظة، فالشرّير يجول من حولنا ويزأر ملتمساً أن يلتهمنا (انظر1 بط 5/8). على المسيحي أن يكون مثل الشيروبيم الكثيري الأعين، لأنّ الشرّير يكثّر جدّاً خطيئة الإدانة بخاصّة، وهي خطيئة شائعة "كالخبز والجبن". لينقِّنا الله ويقدّسنا لمجده. "لا تدعوا الشمس تغرب على غضبكم" (انظر أف 4/26).
هذا يعني أن لا تسمحوا لغضبكم على أخيكم أو منه أن يبقيا في داخلكم إلى ما بعد غروب الشمس. أما سمعتم بذاك الأخ الذي كان مهملاً وكسولاً، ولم يكن يشارك في الصلوات الليليّة (السهرانيّات) ولا يقوم بواجباته، الذي عرف الإخوة جميعاً أنّه راهب مهمل؟ هذا عندما مرض ودنت ساعة موته تجمّع الإخوة حوله ليسمعوا شيئاً مفيداً أو ليعزّوه أو لعلّه يقول شيئاً ما لهم، فوجدوه فرحاً ومسروراً. اندهش أحد الإخوة وسأله: "ما الذي نراه فيك أيّها الأخ؟ نرى أنّك فرِح حتّى وأنت تقترب من الموت. لكنّنا كلّنا نعرف أنّك لم تكن راهباً يغصب نفسه". أجابه: "نعم أيّها الإخوة، في الحقيقة كنت شخصاً مهملاً ولم أتمّم واجباتي. لكنني أتممت شيئاً صالحاً، بنعمة الله: لم أَدِنْ أحد ولم أفضح أحد، ولم أُبقِ في قلبي قطّ شيئاً ضدّ أيّ أخ من إخوة الدير إلى ما بعد غياب الشمس. أؤمن بأنّ الله لن يحاكمني بقدر ما إني لم أحكم على غيري، فهو قد قال: "لا تدينوا لئلا تدانوا"(متى7/1)، ولأنّني لم أحكم على أحد فلن يُحكم عليّ". فتعجّب الإخوة وقالوا: "بالحقيقة لقد وجدت طريق الخلاص بسهولة". ومات الأخ بفرح كبير. أرأيتم كيف يجاهد الآباء ليجدوا طريق خلاصهم؟

الشيخ أفرام (أريزونا)
15/12/2014
تعريب المطران سابا (اسبر)