كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

الصمت لغة الحياة الأبديّة. طوبى لمن تعلّم الصمت، لا توقفاً عن الكلام، بل إصغاءً إلى صوت الله. ليس الصمت مجرّد غياب الصوت، وإنّما إطلالة على الحياة الأبديّة وامتلاء من صوتها. 
تتطلّب أجمل اللحظات صمتاً، فالخليقة البشريّة تؤخذ باللحظة حتّى الملء، فتتوقف فيها كل أمارات الحركة والضجيج التي تؤذي جمال هذه اللحظات.
الصمت توأم السكينة، والسكينة هدوء داخلي من جرّاء توقّف ضجيج الأهواء المتصارعة في داخل الإنسان والشهوات المتنازعة إياه. الصمت وليد السلام العميق النابع من حضور الله في النفس البشرية. 
يصعب الصمت على الإنسان العادي الغارق في شتّى الاهتمامات. يحتاج الصمت إلى امتلاء ونضج يغذّيهما السلام، فيميل المرء إلى التأمّل بدلاً من التلهّي بما لا ينفع ولا يدوم.
الصمت إدراكٌ لقصور اللغة البشريّة ومحدوديّتها. إنّه تطلّع نحو الداخل ونزول إلى الأعماق. توجد اللآلئ في أعماق البحار، بينما تنمو الأشنيات في المياه الضحلة مشكّلةً المستنقعات.
طوبى لمن اختبر هذا الصمت؛ فقد وجد اللؤلؤة "الجزيلة الثمن"، فباع كلّ شيء ليشتريها. طوبى لمن ذاق الصمت الإيجابي وتمتّع به، إنّه إنسان أدرك المعنى، ففتنه وجذبه ليجري وراءه. طوبى لمن رأى ما لا يُرى بسهولة، فتوقّف عنده ليبقى مخطوفاً إلى حلاوات الرؤيا. "ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولا خطر على قلب بشر، ما قد أعدّه الله للذين يحبّونه".
ونسأل بعد: لماذا يهرب الإنسان المعاصر من الصمت؟ والأجدر أن نسأل: هل حقاً يقدر على اختبار الصمت؟ يصير الصمت عنده مرادفاً للموت، لأنّه يعيش أصلاً في بيئة مترعة بالحركة الفارغة التي تأسره لأنّها توهمه بأنّه يموت إذا ما هجرها. 
يعتاد الإنسان على ما يزين له أنّه موجود حقّاً ويألفه، فيشغله عن مواجهة ذاته. 
الصمت وليد التأمّل، وأصوات عالمنا الكثيرة تعيق التأمّل والإصغاء والتبصّر والركون إلى العمق. 
ليس الصوت خصم الصمت فقط، بل الصورة أيضاً والذهن المشغول بأشياء كثيرة عابرة وتافهة وتفتقر إلى المعنى الأصيل. كل ما يشتّت الذهن ويفكّك النفس ويبعثر الاهتمامات عدوٌّ للصمت. 
تعلّم الصمت عندما تعلو الأصوات. تعلّمه عندما يفيض الكلام بما يلزم وبما لا يلزم. تعلّمه عندما تزداد الضجّة ويكثر الصخب وتغيب الوجوه. إذّاك يصير حاجةً ليس في مقدور أحد من الغارقين في الصخب، داخليّاً وخارجيّاً، تلبيتها. 
يأتي الصمت من الإنصات إلى صوت الله في الهدأة الداخليّة. بقيت مريم عند قدمي المخلِّص تسمع كلامه، أمّا عجقة مرتا وانشغالها بواجب الضيافة، فدعياها إلى التشكّي من أختها، فطوّب الربّ مريم قائلاً: "إنّها وجدت النصيب الصالح الذي لا يُنزع منها". 
خصّص وقتاً تدرّب نفسك فيه على الصمت. ابتعد في البدء عن عالمك اليومي دقائق قليلة، اقضها مع الكلمة الإلهيّة وانعكاسها في حياتك. ومن ثمّ أكثر منها تدريجيّاً، بقدر ما يسمح به وقتك.
عندما تهدأ الأهواء في داخلك وتتقوّم وتعود إلى أصولها، وتبلغ أنت إلى الحرية الداخليّة، وتصبح سيّد نفسك، آنذاك، ستحبّ الصمت، لا محالة، لأنّه يصير عندك أكسجين الحياة الداخليّة. من اعتاد على الجواهر ميّزها عن البريق الزائف. 
يترجَم الصمت الحقّ فيك حركة خدمة متواصلة للآخرين، خدمة نشطة لكنّها غير صاخبة، خدمة حيوية لكنّها غير متشكيّة، خدمة فرحة وتنقل السلام، خدمة محيية كونها مفعمة بالحياة.
في قلب الألم تدرك الصمت، كما يدركك عندما تبدأ بالتحرّر من ذاتك المتسلّطة عليك، لترى خالقك في بهائه وإخوتك في واقعهم.
تبدأ الصمت الحقيقي عندما تسود على أهوائك وتتعرّف إلى خالقك وتكتشف وجه مخلِّصك. آنذاك ترى الوجود كلّه في الالتصاق بوجهه المحيي وطرح كلّ ما يحجبه. يناديه قلبك باستمرار: "امكث معنا يا سيّد، فقد مال النهار".