كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

تعريب الميتروبوليت سابا إسبر.

حدّث بعض الأصدقاء، ممّن انضمّوا الى الكنيسة الأرثوذكسيّة، كما لو أنّ التقليد الشريف، فيها، كان ثابتاً منذ البدء، دونما تغيير. أمّا أنت فتتعاطى والتقليد بطريقة حيويّة أكثر.

إنّك محقّ تماماً في ما يختصّ باعتقادي بحيويّة التقليد. وأستذكر هنا التعريف، الذي أعطاه اللاهوتي الأرثوذكسي الروسي العظيم، فلاديمير لوسكي: "التقليد هو حياة الروح القدس في الكنيسة". جليّ أنّ التقليد هو حياة، وما من صيغة ثابتة، بمعنى الجمود. إنّه أبعد من أن يكون مجرّد كتابات محفوظة في مجلّدات فخمة. التقليد حياة. إنّه حياة المسيح الحاضر في كنيسته، بواسطة الروح القدس. ليس التقليد مجرّد عقائد جامدة، بل فهم ذاتي ونقد ذاتي متواصليَن للجماعة المسيحيّة.
ما الذي يحفظ هذا الفهم الذاتي الديناميكيّ من الخروج عن السياج (الانحراف)؟
الكتاب المقدّس كما فُهم في الكنيسة، وبواسطتها، عبر القرون. كما إنّنا، إلى جانب الكتاب المقدّس، نحتكم إلى الآباء والقدّيسين، بشكل خاصّ.
ليس التقليد مصدراً ثانياً إلى جانب الكتاب المقدّس؛ فالكتاب المقدّس، كما فسرّته المجامع المسكونيّة السبعة، هو معياريّ بوضوح، عندنا نحن الأرثوذكس. فعصر الآباء لم يتوقف في القرن الخامس أو السابع. عندنا قدّيسون في القرن الواحد والعشرين مساوون للآباء القدماء.
ترك انهيار الشيوعيّة فراغاً كبيراً، فاندفع زملائي، الإنجيليّون البروتستانت، إلى داخل روسيا، مدفوعين، بحماسة، إلى مساعدة الناس، في تحصيل معرفة أفضل للكتاب المقدّس، بهدف جعلهم يتبنّون إيمانهم شخصيّاً. لماذا ظهرت صعوبة العمل معاً، بين الأرثوذكس والإنجيليين، في البلدان التي كانت شيوعيّة؟
شعر الأرثوذكسيّون، ولا يزالون، باستياء عميق من الأسلوب، كما يرونه، الذي تحرّك فيه الإنجيليون، في المناطق الأرثوذكسيّة. شعورهم هو التالي: لقد تعرضّنا للاضطهاد كفاية، في روسيا، طوال سبعين سنة، وناضلنا لكي نحفظ الإيمان، في ظل صعوبات هائلة. والآن وقد توقف الاضطهاد، أتانا أناس من الغرب، أناس لم يتألّموا قطّ، ولم يعانوا بسبب إيمانهم، كما تألّمنا وعانينا. أتـوا ليسرقوا أناسنا وشعبنا. نشعر كما لو أنّ إخوتنا المسيحيين قد طعنونا في الظهر. إني أبالغ، نوعاً ما، في تصوير الاستياء. لكنّه، في الواقع، شعور عميق وموجود.

في روسيا والبلدان الأخرى التي ذكرتها، ثمّة قناعة راسخة بأنّ هذه البلدان أرض أرثوذكسيّة. هذا ما يُدعى رسميّاً ب"الأقاليم القانونيّة". فالأرثوذكسيّة هي كنيسة الأرض هناك. لذلك فالناس يشعرون بأنّه إذا ما دخل إليها المسيحيّون الآخرون، فإنّما يدخلون ليسرقوا خرافها.

من جهتي، أعلم بأنّ الإنجيليين ينظرون إلى الأمر بصورة مختلفة. فهم يقولون: "ثمّة بلدان، فيها أعداد غفيرة من البشر، ممّن لا ينتمون إلى الكنيسة بالكليّة، ولم تتوفر لهم، سابقاً، وعلى مدى سبعين سنة، فرصة إقامة علاقة حيّة مع يسوع المسيح، فعلينا أن نساعدهم". لكن ليست هذه هي الطريقة التي ينظر فيها الأرثوذكسيّون، إلى هذه القضية. هم يرحّبون بالتعاون، لكنّهم يستاؤون بسبب سرقة أغنامهم.

تعاون الأرثوذكس، بشكل جيّد، دائماً، مع الواعظ الشهير بلي غراهام. لقد استقبله البطريرك الروسي، عندما ذهب إلى روسيا، وذلك لأنّه كان يعمل بحسب المبدأ القائل بأنّ الذين، بواسطة تبشيرهم، يقبلون الإيمان، ويطلبون الالتزام بالمسيح، يُسلَّمون إلى كهنة بلادهم ليتابعوا نموهم المسيحي. لم يحاول بلي غراهام أن يؤسّس جماعات إنجيليّة تزاحم الأرثوذكس في عقر دارهم.
يتبع ......