أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

تعريب الميتروبوليت سابا إسبر.

#كيف تصل الأرثوذكسيّة إلى الناس البعيدين عن الكنيسة، في البلدان التي لم تعرف، قطّ، الأرثوذكسيّة ديناً تاريخيّاً فيها.

كان اهتمامنا في بريطانيا، حتّى وقت متأخر، مركّزاً على تنمية إمكانياتنا الرعويّة، في سبيل خدمة شعبنا. وأقصد أولئك المهاجرين الأرثوذكس، الذين فقدوا ما يربطهم بكنيستهم. فقد بدأ بناء رعايانا من الصفر: فلم تكن عندنا كنائس، ولا تتوفر مستلزمات عيش للكهنة. ليس الأمر سهلاً، ومعظم كهنتنا، في بريطانيا، يؤمّن معيشته من عمل دنيوي، لأن الرعايا غير قادرة على تأمين معيشة الكاهن المتفرّغ. نحتاج إلى المزيد من تفعيل إرساليّاتنا الداخليّة، قبل أن نصل إلى الآخرين.

كما إنّنا، نحن الأرثوذكسيّون، ضدّ الاقتناص، بالتأكيد، وأعني بكلامي إنّنا نرفض الدعاية السلبيّة الموجَّهة إلى مؤمني الكنائس الأخرى، أي انتقاد ومهاجمة ما يؤمنون به. فليست هي طريقة المسيح. ثمّة فرق كبير بين الاقتناص والأنجلة (إيصال بشارة الإنجيل).

ما نزال، كأرثوذكسيين، نتطلّع إلى الداخل؛ حيث يجب أن نتحقّق من أنّنا نملك رسالة سيستمع الناس إليها بسعادة. لا أرى تبشيرنا موجَّهاً، في الدرجة الأولى، إلى أعضاء من كنائس أخرى، بل إلى من هم بعيدون عن الكنيسة أو خارجها، وهم كثر جدّاً في بريطانيا.

من جهتي، أؤمن بأنّ القدّاس الإلهي هو الشهادة البشاريّة الأهمّ عندنا. إنّه المصدر المُحيي، الذي ينبثق كلّ شيء منه. لذلك أقول للذين يُبدون اهتماماً بالأرثوذكسيّة: "تعال وانظر. تعال إلى الليتورجيا". فالأمر الأوّل اللازم لهم، هو أن يدخلوا في خبرة الأرثوذكسيّة، باعتبارها جماعة عابدة. نبدأ من الصلاة، لا من إيديولوجيا نظريّة تجريديّة، ولا من قواعد أخلاقيّة، بل من الرابط الحيّ بالمسيح، ذاك المَعَبَّر عنه بالليتورجيا.

بخصوص الذين هم خارج الكنيسة، تتبع الكنائس الإنجيليّة، عموماً، سياسة حجب ما قد يبدو، لهم، سريّاً أو غريباً في الإيمان. لكنّك عندما تدعوهم إلى القدّاس الإلهي، فإنّك تضعهم، وجهاً لوجه، أمام قمّة العبادة، الملأى بالرمزيّة الغريبة والكلمات غير المألوفة.

نعم، دعهم يفهمون ما يعطيهم الله أن يفهموه. ارمِهم في أعمق وأبعد نقطة من بركة السباحة، وانظر ما يحدث. هذه مقاربة أرثوذكسيّة أساسيّة عندنا. لا أريد أن أقدّم لهم نسخة ضحلة من الأرثوذكسيّة.

القواعد المسيحيّة لعلاقتنا بالله بسيطة جدّاً. ولأنّها بسيطة، فهي غالباً ما تكون صعبة على الفهم.

من ناحية أخرى، يجب ألّا نرتضي بالحدّ الأدنى. يجب أن نقدّم للبشر ملء الإيمان، بكلّ تنوّعه وعمقه. أرغب في أن يدخل الذين يأتون إلى القدّاس الإلهي الأرثوذكسي، في اختبار أنّهم لا يفهمون كلّ شيء، من المرّة الأولى. آمل، بالأحرى، أن يختبروا السرّ وحسّ التعجب والاندهاش. إذا فقدنا هذا الحسّ من عبادتنا، فإنّنا نفقد شيئاً ثميناً جدّاً. ثمّة تعبير سيء للسرّ، وهو إخفاؤه. لكن ثمّة حسّ صالح وجيد للسرّ، وهو أن نتحقّق من أنّنا، في عبادتنا، في تواصل مع المتسامي، مع ذاك الذي يتجاوز الما بعد عقلاني. آمل في أن تنقل عبادتنا هذا الحسّ بالسرّ الحيّ والمرتبط، كليّاً، بخبرة شخصيّة المسيح.

تتحدّث عن ملء الإيمان المختَبَر في القداس الإلهي. أمّا الإنجيليّون البروتستانت، ومن بداية الإصلاح، مع حركة الإحياء الويسليّة، وهم توّاقون إلى بلورة الرسالة والخدمة المركزيّين للإيمان المسيحيّ. نحتاج إلى مساعدة الناس من أجل أن يروا قلب الإيمان وملأه. طلب منّي أحد الذين تكلّمت معهم، قبل إجراء هذه المقابلة، أن أسألك عمّا إذا ما كان الملء يُظلِم المركز أحياناً ويطغى عليه.

أوافق على أننا نريد المركز والملء سويّاً. ثمّة طريقة في إظهار الأرثوذكسيّة، وكأنها تبدو كثيرة التعقيد. نحن الأرثوذكس نملك ميراثاً غنيّاً، قد يشكّل حملاً ثقيلاً، إذا لم نمسك به بصورة صحيحة.

ولكنّي أؤمن، بالتأكيد، بأنّ الأرثوذكسيّة مسيحيّةٌ بسيطة - لا طقوسيّة بيزنطيّة معقّدة، بل مسيحيّة بسيطة. عندما ابتدأت بالاحتكاك بالكنيسة الأرثوذكسيّة، تأثرت، بشدّة، بالموسيقا والأيقونات وتعبيرات الليتورجيا إجمالاً. لكنّني لم أصبح أرثوذكسيّاً بسببها، بل لأنّني شعرت بأنّ المسيحيّة بسيطة.