كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

تعريب الميتروبوليت سابا إسبر.


#لو قابلتك في القطار وسألتك: "ما هو قلب الرسالة المسيحيّة؟". فكيف كنت لتصوغ الجواب باقتضاب؟

كنت لأجبتك: "أؤمن بالله الذي يحبّ الجنس البشري، بكثافة وبالكليّة، حتّى إنّه ارتضى أن يصير إنساناً. لذلك فأنا أؤمن بيسوع المسيح الإله الكامل والحقّ، لكنّه أيضاً، وبالكليّة ومن دون أيّ تحفّظ، إنساناً مثلنا". ولكنت أقول لك: "إنّ محبّة الله عظيمة، إلى درجة أنّ المسيح مات على الصليب من أجلنا. لكن الحبّ أقوى من الموت، ولذلك تبعت قيامةُ المسيح موتَه. أنا مسيحيّ لأنّني أؤمن بأنّ محبّة الله العظيمة، هي التي قادته إلى أن يتجسّد ويموت ويقوم ثانية". وأنّ هذا كلّه يصير لنا، مباشرة، بواسطة عمل الروح القدس المتواصل.



#يوافق الإنجيليّون على ما قلته بالضبط. لكنّنا بخصوص ما حدث على الصليب، وما يحدث عندما يعتنق المؤمن الإيمان بما حدث على الصليب، ننحو إلى استخدام تعابير ذات طابع حقوقي. فنستعير التعابير، مجازيّاً، من محاكمة بولس الرسول. كيف ينظر الشرق المسيحي إلى هذا الأمر؟



إنّه لصحيح، أنّنا، كأرثوذكس، عموماً، لا نقارب الأمر بمفاهيم حقوقيّة، ومن المؤكّد أيضاً أنّنا لا نشدّد على اللغة القانونيّة.

نحن نفضّل صورة المسيح المنتصر على الموت، فالحبّ أقوى من الموت؛ ونفضّل ذاك الانتصار الذي نحسّه، في خدمة الفصح الليليّة، في الكنيسة الأرثوذكسيّة، عندما لا نملّ من ترداد ترتيلة: "المسيح قام من بين الأموات، ووطيء الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور". هذه هي الصورة التي نراها في عمل المسيح، والتي نشدّد عليها بشكل رئيسيّ.

لكن، من المؤكّد أنّ صوراً عديدة أخرى توجد في العهد الجديد. ما من صورة واحدة معياريّة لعمل الكفارة الذي تمّمه المسيح. علينا استخدام جميع هذه الصور.

نعم، فهكذا نجد مكاناً لنظريّة التعويض، التي لا تشدّد عليها الكنيسة الأرثوذكسيّة كثيراً.

جاء في العهد الجديد، في 2كو5/21: "لأنّ الذي ما عرف الخطيئة جعله الله خطيئة من أجلنا، لنصير به أبراراً عند الله". إنّ نظرية الحَمَل الذبيح، هي صورة كتابيّة (ببليّة) أساسيّة أيضاً. علينا استخدام هذه الصور مع صورة المسيح المنتصر.

لا أعطي اهتماماً لنظريّة الترضية. فالترضية ليست كلمة كتابيّة. والتصوير القانوني، على ما أعتقد، يجب أن يقترن، دائماً، بالتشديد على قوّة المحبّة المتجليّة (من حدث التجلّي). ما كانت عدالة الله أو مجده الدافع إلى التجسّد، بل محبّته. محبّـته هي الدافع الأقوى. "هكذا أحبّ الله العالم". من هنا يجب أن نبدأ.



#تكلّمنا عن أنجلة العالم. لماذا لم يعمل الأرثوذكس في هذا الحقل كثيراً؟

يبدو أنّك لست على معرفة كافية بالأرثوذكس. فمنذ القرن التاسع حمل الأرثوذكس على عاتقهم رسالة تبشيريّة هائلة للشعوب السلافيّة: بلغاريا، صربيا، روسيا. كانوا، في تلك الفترة، كالكنيسة الغربيّة، حيويين في العمل التبشيري.

لكن، علينا الأخذ بالحسبان تأثّر وجودهم تحت الحكم الإسلامي، الذي يحرّم كليّاً، وتحت طائلة الموت، أيّ عمل من أعمال التبشير. حافظ المسيحيّون على استمرارهم، في ظل الإسلام، بالعمل الدؤوب على تأمين الاكتفاء الذاتي لجماعتهم، لأنّ محاولة هدي مسلم واحد إلى الإيمان المسيحيّ، كانت تقود إلى الحكم بالموت مباشرة. لهذا، من الطبيعي ألّا يستطيع الأرثوذكس القيام بعمل تبشيري ملحوظ. في القرن التاسع عشر، وُجدت إرساليات روسيّة في الصين واليابان وكوريا، وبين القبائل الإسلامية، الموجودة على أراضي الإمبراطورية الروسيّة. ثمّ أتت الشيوعيّة وجعلت العمل التبشيري مستحيلاً.

علينا، كأرثوذكس، أن نعمل أكثر بكثير ممّا نعمله الآن، في هذا الحقل. لكن ثمّة دور مهمّ للأوضاع التاريخيّة. فالغرب، خلال القرون الخمسة الأخيرة، كان مهيمناً وغنيّاً ومؤثّراً واستعماريّاً وتوسعيّاً. ممّا جعل العمل الإرسالي أكثر سهولة. أمّا الشرق، باستثناء روسيا، ولمدى محدّد، فلم تتوفّر له أيّ من هذه الامتيازات.



#ماذا عن العدالة الاجتماعيّة – كيف يمارسها الأرثوذكس؟

ثمّة سجال عظيم في أوساط الأرثوذكس لفعل ما هو أكثر. قامت الكنيسة الروسيّة في السنوات الأخيرة بجهود رفيعة ونبيلة. ففي مجمع محليّ لها في العام 2000، وفي ما بعد في العام 2006، أنتجت الكنيسة الروسيّة وثائق مهمّة على هذا الصعيد.

يشكّل هذا الجهد البداية. في الغرب علينا أن نطوّر شهادتنا الاجتماعيّة. يوجد، في قلب الأرثوذكسيّة، تقليدُ تحنّنٍ على الفقراء والبائسين والمتألّمين قويّ جدّاً. هذا تراه في الكثير من سير القدّيسين. لكنّه، في غالبيته، يقتصر على دور الفرد، فحسب، في مساعدة الذين هم في الشدائد والعوز. ليس من مجهود كافٍ تمّ، بين الأرثوذكس، في مجال التساؤل حول بُنى اللاعدالة الاجتماعيّة الموجودة في البلدان الأرثوذكسيّة، والتي توجد الآن في العالم الغربي.



#ياروسلاف بيليكان لاهوتي ومؤرّخ مهمّ، صار أرثوذكسيّاً، في اواخر حياته، وقد قال لي مرّة: "أنتم الإنجيليّون تتكلّمون بشكل زائد عن اللزوم، عن يسوع، ولا تصرفون وقتاً كافياً على الثالوث القدّوس". هل بإمكان أحدهم أن يتكلّم بشكل زائد عن يسوع؟



لا أريد أن أقيم تعارضاً بين الإيمان بيسوع والإيمان بالثالوث القدّوس. فإيماني بيسوع هو، بالضبط، أن أؤمن بأنّه ليس إنساناً حقّاً فقط، بل ابن الله الأزليّ أيضاً. لا أستطيع أن أفكّر بالإيمان بيسوع ولا أفكّر، أيضاً، بالإيمان بالله الآب.

كيف يكون يسوع حاضراً فينا شخصيّاً، في هذه اللحظة؟ كيف لا يكون صورة من الماضي البعيد وحسب، بل يعيش في حياتي على الدوام؟ هذا يتمّ بالروح القدس. لذلك لا أستطيع الإيمان بيسوع المسيح، من دون الإيمان بالروح القدس.

لا أعتقد بأنّنا قادرون على أن نمتلك إيماناً زائداً عن اللزوم بيسوع. نحن نؤمن بيسوع الثالوثي بالضرورة، إذا صح التعبير. إذا ما شاهدت سير حياة القدّيسين الأرثوذكس، ستجد إيماناً حيّاً جدّاً بيسوع. وستلاحظ أن تأكيدهم على الثالوث القدّوس لم يقلّل، ولا بأيّ طريقة، من حسّهم بيسوع مخلّصاً شخصيّاً.