كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

تسبّب المصطلحات عموماً، كما تُستعمل عادة، كثيراً من سوء الفهم ولغطاً في المفاهيم ما يشوّش على الفكرة المطروحة.
ولأنّنا أبناء عصرنا، غالباً ما نتأثّر بالثقافات المتعدّدة التي نحتكّ بها. وترتبط شدّة التأثر طرداً بقوّة الثقافة السائدة والأكثر قدرة على الانتشار والوصول إلى عقول البشر. في خضمّ هيمنة الثقافة الغربيّة في عصرنا هذا، يضطرّ الإنسان إلى نهل العلوم من مصادرها، فتتسرّب عبر عملية التثاقف هذه، خاصة في حقول العلوم الإنسانيّة والفكريّة والفلسفيّة، مفاهيم هي محض غربيّة وناشئة، طبيعيّاً، من تراث الغرب وحضارته ومعاناته عبر التاريخ. لا يكمن الخطر في الاستفادة من هذه العلوم، بل في استنساخها كما هي باعتبارها المثال المطلوب لكلّ بيئة ومجتمع. استنساخ المصطلحات والقيم والمفاهيم لتطبيقها في ثقافات مختلفة عن تلك التي نشأت فيها، دون أخذ معطيات المجتمع المستقبِل وتاريخه وثقافته ومعاناته بعين الاعتبار، تسبّب ردّات فعل عنيفة وتمزّقاً له وتفككاً فيه.
قد نستخدم مصطلحاً ما بقصد ما، فيبدو وكأنّ ثمّة هيمنة قسريّة من ثقافة على أخرى، لأنّ الثقافة المستقبِلة ترفض هذا المصطلح أو لا تتقبله كما هو أو حتّى لا ترى نفسها بحاجة إليه.
لكنّنا، في هذا العالم المتداخِل، كثيراً ما نضطرّ إلى استعمال مصطلحات مستورَدة بهدف توضيح مفهوم أو فكرة ما، أو التركيز على جانب محدّد. لكن بالاستعمال المتكرّر قد يصير هذا المصطلح جزءاً من ثقافتنا، فيما هو لا يعبِّر كفايةً عن توجّهنا، لا بل قد يناقضه أحياناً.

يعتبر مصطلح "الروحانيّة" أحد الأمثلة على ما نقوله. فعلى الرغم من أنّ استعماله غير مألوف تراثيّاً في الوسط الأرثوذكسي، إلا أنّه بات موضع استعمال في الآونة الأخيرة. فهو في الواقع، يُستخدَم اليوم على نطاق واسع، لا بالمفهوم الديني وحسب، وإنّما بشكل عامّ ليشير إلى عموم التوجّه الداخلي لشيء ما، أكان فكراً أو لاهوتاً أو فلسفة حياة، أو حتّى سياسة.
الحذر الأرثوذكسيّ من استخدامه ناشئ عن أنّه، بحدّ ذاته، مصطلح يفيد الإشارة إلى مجال محدّد، وغالباً ما يعني جزءاً محدَّداً من الشخص أو من حياته. ما يساهم في ترسيخ مفهوم ثنائيّة العالَمَين المادّي والروحيّ في الإنسان. في حين أنّ الإيمان المسيحيّ مؤسَّس على سرّ التجسد. لكون الله صار إنساناً وعاش بيننا لم يَعُدْ من فصامٍ البتّة بين ما هو روحيّ وما هو مادّي. تؤمن المسيحيّة، والأرثوذكسيّة بخاصّة، بكيان الإنسان الواحد الكامل والمؤلَّف من روح ونفس وجسد وأعضاء و... إلخ. الإنسان كائن نفس – جسداني، وهذا الكيان مدعوٌّ بكلّيته الى ما يُسمى في اللاهوت الأرثوذكسيّ "الحياة في المسيح" لا الروحانيّة. الإنسان بكلّيته، جسداً ونفساً، مدعوٌّ الى القداسة والاستنارة والتألّه.
لذا باستعمال هذا المصطلح، وجبت اليقظة إلى خطر الوقوع في مطبّ يجعل الحياة مع الله جزءاً إلى جانب أجزاء أخرى، من عدّة حيوات يعيشها الإنسان. خطر هذا التجزيء قائم في تقسيم الإنسان وحياته إلى مجالات متعدّدة منفصلة، فيصير فيه بعد روحيّ وبعد جسديّ وآخر ترفيهيّ وغيره معيشيّ... إلخ، ما يبطل التكامل الواحد ويعيقه. يتطلّب خطر المفهوم التقسيمي يقظةً وحذراً شديدين، لكون الثقافة المتفشيّة اليوم إنّما هي ثقافة إشباع الأبعاد التي يحتاجها الإنسان، من دون الانتباه إلى أنّ طريقة الإشباع المقصود التجزيئيّة هذه تتناقض مع كلّية الإنسان، والغلبة فيها دائماً للإنسان "الجسدانيّ" بحسب مفهوم الرسول بولس.

يبقى تراثنا حذراً من استعمال مصطلح الروحانيّة، لأنّ إطلاق صفة الروحيّة على أعمال كالصلاة والصوم والتقشّف والتأمّل وما إليها قد توقع في مطبّ اعتبار الحياة في المسيح حياة روحيّة فقط وتغييب دور الجسد فيها وإهماله. صحيح أنّها تخدم الروح ولكنّها، في الحقيقة، تخدم الكيان البشري بكلّيته.
من هذا المنطلق نحتاج إلى التدقيق في استخدامنا لكثير من العبارات لئلا نقع في اللُبس أو سوء الفهم أو تغيير المعنى.
يرفض بعض اللاهوتيين لفظة "الروحانيّة" ويفضّلون استعمال العبارة التراثيّة المُستَلَّة أساساً من العهد الجديد، ومن بولس الرسول تحديداً، ألا وهي "الحياة في المسيح"، مستندين في تعليمهم هذا إلى تراث الكنيسة الآبائي بخاصّة. يعني التراث بهذا التعبير عيش أسرار الكنيسة والسعي إلى تطبيق وصايا الإنجيل، يعني به السير مسيحيّاً في طريق الكمال في المسيح، الذي يتمّ تحقيقه بواسطة تطهير أهواء الإنسان وتقويمها، وتالياً، حيازة حياة الفضيلة.
ترافق هذه المسيرةُ المؤمنَ طوال حياته الأرضيّة، وتتمّ وفق منهج معروف ومختَبَر. عرفت الكنيسة خلال ألفي سنة، بفعل حضور الروح القدس فيها الطرق والوسائل التي تساهم في تقديس الإنسان وترقّيه في "الحياة في المسيح".
كلّ الأعمال التي نُدخلها عادةً في إطار ما نسمّيه "الحياة الروحيّة"، أي أفعال الصلاة والصوم والسجدات والمحبّة والخدمة وتحقيق الفضيلة وعيشها وما إليها من جهاد يحياه المؤمن، تندرج في إطار الحياة في المسيح، وتؤدّي إلى تقديس الإنسان بكلّيته، فكراً وجسداً وروحاً. فالموضوع ليس مزاجاً أو ميلاً شخصيّاً بل منهج خلاصيّ معروف ومرسوم ومختَبر ومعاش في الكنيسة.
ثمّة مسيرة تجعل المسيحي يسمو قدماً من درجة تنقية الى أخرى أسمى فيترقّى، في الوقت نفسه، في حياة الفضيلة. بقدر ما يتنقّى الإنسان ينمو في الفضائل.
في ضوء هذه المسيرة، التي قد يسمّيها بعضهم "روحانيّة"، لا تبدو الأخلاق أو القيم المسيحيّة مجرّد تحقيق لواجبات تطلبها وصايا الله. تتجاوز المسيحيّة الأرثوذكسيّة إتمام الواجب إلى العيش مع الله، وتؤكّد في مسيرتها على تحقيق الخلاص الذي يتمّ بالحياة في المسيح. إتمام الواجبات حبّاً بالله يسمو بالإنسان فتصير ثمرات طبيعيّة تلقائيّة لحياته في المسيح.