كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

تهدف "الروحانيّة"، إذا ما عدنا واستخدمنا المصطلح بالمفهوم الذي شرحناه سابقاً، إلى كمال المؤمن في المسيح، وهدفها اتّحاد المؤمن مع الله في المسيح. يبقى هذا الهدف غير محدود بمستوىً ما، بحسب تعليم آباء الكنيسة، لأنّ حياة الكمال مع الله لا متناهية، وينتقل الإنسان فيها من مجد الى مجد، على ما كتب بولس الرسول.
في كلّ الأحوال ثمّة مقولة يتداولها التراث الروحيّ الآبائي، يكرّرها الأب صفروني زخاروف في كتابه "معاينة الله كما هو"، تقول ما مفاده أنّ الإنسان يتطبّع بحسب الإله الذي يؤمن به. فإن كنت أؤمن بإله محبّ أصير إنساناً محبّاً، وبالعكس إن آمنت بإله غير غفور لن يعرف الغفران سبيلاً إليّ. أي أنّ صفات الله الذي أؤمن به وأعاشره تطبع طبيعتي بها وتجعلني على شبهه.
بماذا تتميّز الحياة في المسيح بحسب تعليم الكنيسة الأرثوذكسيّة؟ في الواقع ثمّة فرادة فيها، قد لا يدركها جميع المؤمنين: إنّها النظرة إلى الأهواء.
ماذا تعني لفظة الأهواء التي ترد كثيراً في صلواتنا الطقسيّة؟ الهوى، لغةً، هو الميل إلى. أهوى الشيء يعني أنّني أميل إليه، أحبّه. وتحمل في اللغة اليونانيّة معنى الألم ومنها اشتُقت اللفظة باللغات اللاتينيّة Passion، وهكذا تُرجمت قديماً في العربيّة. نرتل: "منذ شبابي آلام كثيرة تحاربني"، لكنّ الأدّق هو القول "منذ شبابي أهواء كثيرة تحاربني"، وهذا ما تنبّهت له ترجمة حديثة.
تقويم الأهواء والتحرّر من تبعات السقوط التي حرفتها عن أصلها مكلف ومؤلم، لذا فهي تفيد معنى الألم أيضاً.
يرى الإيمان الأرثوذكسي أنّ هذا الميل نحو شيء غير حسن، علامة على وجوده أساساً، على اعتباره ميلاً نحو شيء آخر حسن. فالإنسان المخلوق على صورة الله مدعوٌّ، أصلاً، إلى التشبّه بالله وصولاً إلى مثاله. والأهواء التي خُلقت معه، قبل السقوط، إنّما كانت أهواء صالحة وُجدت فيه كي تساعده في مسيرة نموّه نحو المثال الإلهي. لكن صورة الله، الإنسان هذه، تشوّهت بسقوط الإنسان الأوّل، فانحرفت الأهواء عن مسارها الأصلي. لم تختفِ الأهواء الصالحة من الإنسان الساقط كليّاً، ولم تحلّ محلّها أهواء ساقطة، بل هي إيّاها تبدلّت عن هدفها الأوّل. ماذا حدث فعليّاً في سقوط "آدم وحوّاء"؟
توجهت الأهواء باتجاه مخالف للاتجاه الذي خلقها الله لأجله، فصارت تطلب عكس ما وُجدت لأجله. من هنا الحياة في المسيح، بحسب المنهج الأرثوذكسي، لا تقوم على استئصال الأهواء وإماتتها، بل على إعادتها إلى الوضع الأول الذي كانت عليه قبل السقوط، أي تقويمها.
يقول القدّيس يوحنّا السلّمي إنّ الهوى ليس شيئاً موجوداً فينا كما نعرفه الآن، بمعنى أنّ الله لم يخلق الأهواء السيّئة. ويتابع قائلاً: إنّ العديد من الفضائل الطبيعيّة أتت إلينا بواسطة الأهواء التي أوجدها الله فينا قبل السقوط. ولتوضيح تعليمه، يقدّم أمثلة فيقول: بذرة الإنجاب طبيعيّة فينا، لكنّنا حوّلناها إلى الزنى. الغضب الذي أعطانا الله إيّاه كي نثور ضدّ الشيطان وأعماله طبيعيٌّ فينا، ولكنّنا استعملناه ضدّ القريب. لدينا حافزٌ طبيعيٌّ كي نتفوّق في الفضيلة، لكنّنا بدل ذلك، نتنافس في الشرّ. تثير الطبيعة فينا التنافس في المجد، ولكنّه المجد السماوي من أجل الفرح بالبركات السماويّة. من الطبيعي أن نتكبّر على الشياطين. الفرح ملك لنا بالطبيعة ويجب أن يكون فرحاً لحساب الربّ ولصالح فعل الخير لقريبنا. لقد أعطتنا الطبيعة استياءً، لكنّه ليكون ضدّ أعداء نفوسنا (أي ما يعيق خلاصنا). لدينا رغبة طبيعيّة في الطعام، ولكن لا للإسراف.
تقول الكنيسة الأرثوذكسيّة إنّ هذه الأهواء طبيعيّة فينا، ولكنّها نتيجة الخطيئة، تحوّلت عن مسارها واتّخذت توجّهاً مخالفاً يدمرّ الإنسان ويؤذيه. والمطلوب من الإنسان، بعد المسيح، أن يعيد هذه الأهواء الى وضعها الطبيعيّ الأوّل. من هذا المنظار، يصير الفرق لاهوتيّاً (على الصعيد التعليمي) كبيراً جدّاً بين مسيرة تقويم الأهواء وبين إماتتها، بقدر ما هو، في الوقت ذاته، دقيق جدّاً على صعيد الممارسة. لا يعرف تراثنا مفهوم "الإماتة" في سبيل التحرّر، بل "النسك". وما يقصده بعضهم بفعل "إماتة الأهواء"، يُمارَس عندنا فعل "تقشّف" أو "تهذيب للنفس" بغية البلوغ إلى التحرّر من العبوديّة للأهواء المنحرفة.
نحن مدعوّون إذاً إلى التمييز بين الشرّير وبين السليم الذي فينا، حتّى نعرف كيف نحوّل وجهة الأهواء ونعيدها إلى مسارها الطبيعي. في معرفة دقيقة لنفس الإنسان وتمييز رهيف بين ما هو أصلي وما هو زائف، يقول القدّيس مكسيموس المعترف: "ليس الشرّ في الأطعمة، بل في النَهَم. وليس الشرّ في إنجاب الأطفال، بل في الفسق والنجاسة. ليست الأشياء المادّيّة هي النجسة، بل البخل. ليست الكرامة هي الشرّيرة، بل الكبرياء".
تعتبر الكنيسة الأرثوذكسيّة أنّ ثمّة قوىً طبيعيّة في النفس، لازمة لها. وأنّ الخطيئة والتغرّب عن الله قد أفسدا هذه القوى، فصار عمل المسيحي هو إعادة هذه القوى إلى وضعها الطبيعي. فالإنسان الذي لا يغضب، على سبيل المثال، ولا شيء يحرّكه ولا يتحمّس لأيّ صلاح، هو إنسان سلبيّ ساكن passive من دون أحاسيس. نقول عنه بالعامية "حائط لا إنسان". فالغضب طاقة مزروعة في كياننا لأنّنا نحتاجها في مسيرة خلاصنا؛ نحتاج إلى أن نغضب على الشرّ، كي نمقت كلّ شيء غير صالح وفاسد، وإلا فكيف نحارب الشرّ ونواجهه؟ إن كنّا عديمي الإحساس يصير الصالح والطالح، الأسود والأبيض، بالمستوى ذاته.