كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

الأهواء بطبيعتها، في عالمنا الساقط، انحراف لطموح الانسان. يقول أحد اللاهوتيين: إنّ الأهواء تجذب الإنسان إلى العالم الذي يصغّره، بينما إذا جذبته إلى الله، فإنّ الله يكبّره ويجعله صالحاً". الواقع يفيد أنّ الأهواء، في عالم السقوط ، تقودنا إلى الخطايا، والخطايا تعذّبنا وتولّد ألماً فينا.
كيف آلت الأهواء إلى هذا الواقع؟ يُرجع آباء الكنيسة الأمر إلى عدّة أسباب. يعود السبب الأول إلى ضعف العقل الذي بدأ يعمل، بعد السقوط، باستقلاليّة عن الكيان البشري. فالتمزّق الداخلي الذي نتج عن خطيئة الجدَّين الأوَّليَن "خربط" التناغم الذي كان قائماً بين العقل والنفس، فبدآا يتنازعان. "لا أفهم ما أعمل، لأن ما أريده لا أعمله، وما أكرهه أعمله. وحين أعمل ما لا أريده أوافق الشريعة على أنّها حقّ. فلا أكون أنا الذي يعمل ما لا يريده بل الخطيئة التي تسكن فيَّ.."(رو7/15-17). ما أدّى إلى السبب الثاني الذي يظهر في سيادة الحواسّ على الإنسان، مستخدمةً العقل لتبرير سيادتها. ومن ثمّ، وبسبب سيادة الأهواء وتبرير العقل لها صار الإنسان خاضعاً للأهواء التي تدفعه إلى الركض وراء المتع الحسيّة.
نميّز، أرثوذكسيّاً، بين الأشياء التي تعمل بحسب الطبيعة وتلك التي تعمل بالاختيار الكامل، سواء عن معرفة أو عن غير معرفة. يقول القدّيس أنطونيوس: ليس الأكل بخطيئة، ولكن الخطيئة هي في الأكل من دون شكر ومن دون ضبط. ليس النظر بعفة خطيئة، بل النظر بكبرياء وشهوة. ليس الإصغاء بهدوء خطيئة، بل بغضب. ليس انشغال اللسان بالشكر والصلاة خطيئة بل التكلّم بالشرّ على الآخرين. ليس الشرّ في أن تعمل يداك الرحمة بل في أن ترتكب السرقة. هكذا فإنّ أعضاءنا لا تخطئ عندما تعمل الصلاح، بل عندما تعمل الشرّ. يرتكب الإنسانُ الشرَّ عندما يعمل بدافع مشيئته الذاتيّة الخاصّة المضادّة لمشيئة الله، لا عندما يخضعها لمشيئته، له المجد والإجلال.
من الواضح أنه لا توجد عندنا نظرة تدنيسيّة او تنجيسيّة لجزء من الإنسان. فالإنسان هو خليقة الله المكرَّمَة المبارَكَة. لكن القوى التي سيطرت وسادت عليه بعد السقوط أبعدته عن الله مصدر خلقه وجعلته شرّيراً يدنّس ذاته. فمسيرة الإنسان الجديدة بعد المسيح تكمن في أن يعيد وضعه إلى ما كان عليه أوّلاً، أي قبل السقوط، وهذا صار فعلاً ممكناً في المسيح.
لذلك تقوم أسس الحياة في المسيح على عدّة أمور، على رأسها مواجهة الأهواء وهي صغيرة، أي إيقاف انحراف هوىً ما ومن ثمّ إعادته إلى وضعه الطبيعي. محاربة الأهواء وهي صغيرة أمر هامّ جدّاً في الإرشاد الروحي بحسب تعليم آباء الكنيسة، الذين في سبيل تأكيد أهميته، يشبّهونه بعملية نزع الشجرة من جذورها. يقولون طالما أنّ الشجرة شتلة صغيرة يكون نزعها من الأرض سهلاً جدّاً، لكنّه (النزع) يزداد صعوبة بمقدار ما تكبر الشتلة وتصير شجيرة فشجرة. وقد تتطلّب جهدًا هائلًا ومعونة من عدّة أشخاص وقد يصل الأمر إلى الاستعانة بالآلات في بعض الحالات. هكذا، فإنّ التغلّب على عيوبنا يبقى سهلاً ما دامت صغيرة. على المؤمن أن يحارب عيوبه بجدّية وصدق منذ بدايتها، من لحظة وعيه لها.
المواظبة على تدريب الذات على السلوك بحسب الوصايا الإلهيّة، وهذا لا يتمّ إلا بغصب الذات أحياناً كثيرة على فعل ما يريده الله ولا يريده الإنسان العتيق فينا. "بدأت الشريعة وتعاليم الأنبياء إلى أن جاء يوحنّا، ثمّ بدأت البشارة بملكوت الله، فأخذ كلّ إنسان يجاهد ليدخله قسراً" (لو16/16). عندما يعوِّد الإنسان نفسه على القيام بما يضادّ أنانيتّه ومحبّته لذاته واستعباده لشهواته، يعطي ذاته القدرة على الانفتاح تجاه الآخرين والخروج من زنزانة حبّ الذات والشهوات التي يسجن نفسه فيها، فيختبر فرح الحريّة والتضحية والخدمة واللقاء بالآخر.
أمّا تحديد قدرة الإنسان على مقاومة مشيئته الذاتية عندما تضاد مشيئة الله، فعمل دقيق جدّاً ويحتاج إلى إرشاد روحي ممّن تقدّم في الحياة في المسيح.
ثمّة ممارسات تدعى روحيّة لا بدّ منها، كالصلاة والصوم والسجود والتأمّل في الكلمة الإلهيّة (الكتاب المقدّس)، ومطالعة الكتب التي تعنى بالحياة الداخلية، المسمّاة روحيّة، والتوبة وعيش الأسرار الإلهيّة: سرَّيْ الشكر والتوبة والاعتراف بشكل خاصّ. عندما تصير هذه الممارسات جزءاً طبيعيّاً من حياة المؤمن اليوميّة، فإنّها تهيّئه للتغيّر الداخلي، فتلين نفسه وتزداد قدرتها على تحسّس الأمور الإلهّية واتّخاذ المنظار الإلهي للأمور اليوميّة.
تُسمّى هذه الممارسات بالبعد العمودي، لكونها تقيم اتصالاً مباشراً بين الإنسان والله. هنا من المهم جدّاً التنبّه إلى أنّ الصليب لا يكتمل إلا ببعديه الأفقي والعمودي وإلا فيكون شيئاً آخر لا صليباً. فإذا ما ليّنت هذه الممارسات قلب المؤمن، فإنّه يستحيل عليه تصريف ثمارها إلا في البعد الأفقي الذي هو تعاطي الإنسان مع من يسمّيه الإنجيل بالقريب، أي كلّ إنسان آخر.
عارضة الصليب وقائمته متراكبتان ومتداخلتان، وفي هذا صورة لتكامل وتداخل البعدين الأفقي والعمودي. قد يقع الإنسان فريسة التجربة العمودية، فيتوهّم بأنّه يسير نحو كمال الإيمان، أو قد بلغه، إذا ما تمّم هذه الواجبات، وينسى أن ثمارها تظهر في علاقته مع الإنسان الآخر، في المحبة الفاعلة والخدمة والغفران والصلاح وما إليها من فضائل. والعكس صحيح، فقد يجرَّب أفقيّاً، فيركّز على الأعمال الصالحة مهملاً البعد الروحي المباشر فتتبدّد طاقته مع الوقت وتفقد فضائله جوهرها لتصير مجرّد أعمال إنسانيّة في أفضل الأحوال. تصير إذّاك أعماله هدفاً بذاتها.
يعلّمنا الروح القدس بواسطة القدّيس سيرافيم ساروف أن غاية المسيحي هي اقتناء الروح القدس، أي أن يصبح مقرّاً لسكنى الله، وأن الأعمال الصالحة من صلاة وصوم وخدمة ومحبّة وبذل وما إليها ليست هدفاً بذاتها، بل وسائل لا بدّ منها، في سبيل الوصول إلى الغاية المنشودة.
هدف المسيحي أسمى بكثير من مجرد أن يكون إنساناً صالحاً. كم هي دعوة سامية!!