كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

التأم آباء المجمع الأنطاكي الأرثوذكسي في بلدان الوطن والانتشار، مطارنة أبرشيّات وأساقفة، في الأسبوع الماضي، في دورة مجمعيّة طويلة، خُصِّص الوقت الأطول منها لطرح قضايا العائلة وتحدّياتها في هذا الزمن السريع التغيّر. شارك في القسم المخصَّص للعائلة عدد من العلمانيين والكهنة. تمّ عرض حوالى أربعين بحثاً في قضايا كثيرة تخصّ العائلة، بدءاً بلاهوت الزواج وليس انتهاءً بالإعلام وقضايا علوم الحياة: بداية الحياة ونهايتها، تكوّن الجنين والموت الرحيم، عبوراً بالتحدّيات المطروحة وصولاً إلى مرافقة الشيوخ في أيّامهم الأخيرة.
الهدف هو طرح القضايا التي تواجهها العائلة بعامّة، على رجاء إطلاق ورشة رعائيّة مستدامة. كانت هذه الأيّام المباركة فرصةً لانطلاق هذه الورشة الرعويّة على صعيد الأبرشيّات خلال السنة القادمة. وذلك بتأسيس دائرةٍ للعائلة، في كلّ أبرشيّة، تتناول رعاية العائلة وفق الإمكانيات المتوفّرة في الأبرشيّة وعبر خطٍّ عامّ مشتَرَك في ما بين الأبرشيّات في الوقت ذاته. يُعقَد، بعد سنة من هذه الانطلاقة، لقاء تتبادل فيه الأبرشيّات الخبرات التي تحقّقت، الإيجابيّ منها والسلبيّ مع الحاجات. تتوجّه الرغبة إلى وضع برنامج مشتَرَكٍ يرعى العائلة بشكل مستمرّ.
جدير بالذكر أنّ الاهتمام بالعائلة ككلّ، والِدَين وأولاداً وشيوخاً، طُرح غير مرّة خلال الدورة المجمعيّة. هذا يعني أنّ اهتمامنا الذي اقتصر سابقاً على رعايةٍ خاصّةٍ لشرائح من العائلة، وفق السنّ أو المهنة، شباباً، أطفالاً، نساءً، عمّالاً...إلخ، بات في أذهان العديدين خدمةً ينبغي إتمامها برعايةٍ تطال العائلة مجتمعة بكلّ أفرادها.
ستصدر قريباً عن هذا المجمع رسالة رعائية بعنوان "العائلة فرح العيش" باللغات المتداولة في أبرشيّات الكرسي الأنطاكي. تتناول هذه الرسالة، بعمق واختصار وبأسلوب رعائي، معظم قضايا العائلة المطروحة اليوم، على أمل أن يُصار إلى تخصيص كلّ سنة لتدارس قضيّة واحدة بعينها دراسة معَمَّقَة ومفَصَّلة ومن ثمّ إصدار التعليم الكنسي والتوصيات بخصوصها. دراسة هذه العائلة في الرعايا وسائر الهيئات الكنسيّة أمر شديد الأهميّة.
طغت الأوضاع الاقتصاديّة على النقاش غير مرّة. يدرك الحاضرون مدى الصعوبات الموجودة في بلدان الوطن بخاصّة، واقتُرح غير مشروع لمواجهتها، غير أنّ الإمكانيّات المتوفّرة ليست بالقدر المطلوب. يبقى حلم تأسيس مشروع أنطاكي خاصّ بكنيستنا قائماً. ثمّة مشروعُ نظامٍ له حاضر في البال والفعل، عند بعضهم، أملاً بتوفّر إمكانيّة اعتماده، مهما كانت بداياته متواضعة. يا ليته يتحقق!
ثمّة مشروع على صعيد أبرشيّتي، بدأنا به في العام 2012 بمبالغ أقلّ من متواضعة، لكنّه نما، بنعمة الله وبركته، إلى حدّ متواضع لكنّه فاعل. وهو يسدّ بعضاً من حاجات أبناء الأبرشيّة في غير حقل. الرجاء وجود مشروع نظيره على مستوى الكرسي الأنطاكي بعامّة.
خبرتنا في هذا المجال مفرحة ومحزنة في آن. فالأسخياء موجودون وإن لم يكونوا كثيرين. الاهتمام بالمصلحة الذاتيّة يطغى عند شعبنا على المصلحة العامّة بعامّة، ويبدو هذا في سائر حقول المجتمع وليس في الكنيسة فقط. غير أنّ ثمّة حاجة ماسّة عندنا في الكنيسة إلى معرفة كيفيّة طرح حاجات شعب الله وأيضاً أسلوب طرحها. تُظهِر الخبرةُ الحاجةَ إلى تدعيم الثقة بين الهيئات الكنسيّة والمؤمنين، وهذا سبيله المشاركة بين الطرفين والشفافيّة في العمل.
إلى ذلك قرّر الآباء الأساقفة تأسيس لجنة خاصّة بالكتب الليتورجيّة، تصدر جميع الكتب الليتورجيّة عبرها، فنصل تدريجيّاً إلى اعتماد ممارسة واحدة أصيلة وسليمة في سائر كنائسنا. ستصدر قريباً باكورة هذا العمل: خدمة المعموديّة المقدسّة التي كان غبطة البطريرك يوحنّا العاشر، الأخصائي في الليتورجيا، قد عمل عليها سابقاً وتمّ عرضها على آباء المجمع الأنطاكي آنذاك.
توحيد خِدَمِنا الليتورجيّة وتنقيحها بات أمراً ملحّاً بعد دخول وسائل التواصل الاجتماعي على الخط ونشر بعض الغيورين بواسطتها ما تصل أيديهم إليه من ترجمات أو إصدارات من الكنائس الأرثوذكسيّة الشقيقة، وكذلك، بسبب التباينات الخطرة أحياناً، في ممارسة طقوسنا وإقامتها.
لعل الباكورة الأكاديميّة لعمل معهد القدّيس يوحنّا الدمشقي اللاهوتي في البلمند باتت قريبة المنال، بعد أن انتظرها المؤمنون طويلاً: إنّها ترجمة أرثوذكسيّة للعهد الجديد. المأمول أن تصدر بعد أربع سنوات من الآن، بعد أن توفّرت الإمكانيّات العلمية اللازمة لها في معهدنا البلمنديّ. هذه بدأ العمل بها مؤخراً بدفع ودعم من غبطة بطريركنا الحالي، ما أفرح الآباء الأساقفة وسيفرح بالتأكيد سائر المؤمنين الذين يسمعون بهذا الخبر.
وقف الآباء الأساقفة طويلاً عند الوضع الأرثوذكسي العامّ وما يحصل في غير كنيسة أرثوذكسيّة ممّا يُحزن قلب كلّ مؤمن. واستمعوا إلى عرض مفصَّل وتحليليّ من الدكتور في القانون جورج غندور، المتابع لكلّ الأحداث اليوميّة في هذا المجال. وقد تركّز النقاش على أهميّة التشديد على الوحدة الأرثوذكسيّة والمساهمة في تمتينها، وعلى أنّ المشكلة في جوهرها إكليزيولوجيّة [الإكليزيولوجيا هو علم الكنيسة: لاهوتها وتنظيمها النابع من لاهوتها]، وإن كان لا يخلو من بعد سياسيّ وقوميّ متنامٍ.
كما استمعوا إلى تقارير عن أبرشيّات الانتشار التي قدّمها أساقفتها. ثمّة تحدّيات ليست بصغيرة في العديد من هذه الأبرشيّات مع أنّ نموّها ملحوظ، كبعض أبرشيّات أوروبا وأميركا اللاتينيّة بخاصّة، غير أنّ بعضها مفرِح للغاية، وإن كان لا يخلو من تحدّيات من نوع آخر، كأبرشيّتي أميركا الشمالية وأستراليا.
حضور أساقفة أبرشيات الانتشار إلى جانب آباء المجمع وميتروبوليتييهم أثمر خبرة غنيّة تبادلها وإيّاهم آباء المجمع الأنطاكيّ. وقد قدّم الآتون من أبرشيّتنا الأنطاكيّة في أميركا الشماليّة، أساقفة وكهنة، مداخلات قيّمة جدّاً ومعَمَّقة بخصوص العائلة.
الجهد الذي بذله غبطة البطريرك يوحنّا واللجنة المساعدة له من أجل نجاح هذا الحدث على الصعيدين الكنسي والتنظيمي يستحق كلّ شكر وتقدير.
دورة مجمعيّة واعدة، تبقى عبرتها في إمكانيّة تعاون الجميع في سبيل تثميرها.