أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

الكنيسة جسد المسيح، كَرْمَتَه. إنّها شعب الله المرتبط به وببعضه ارتباطاً كيانيّاً. المقصود بالكنيسة في هذا المقال هو شعب الله؛ عموم الإكليروس والمؤمنين، الذين يُسَمَّون خطأً بالعلمانيين.

ما من فصل بين ما قد يطلق بعضهم عليه لقب "القيادات"، وإن كانت روحيّة، وبين الشعب؛ فالقيادة الروحيّة غير معزولة عن المؤمنين. فالجميع شعب الله الواحد.
قد تختلف مع قيادتك الروحيّة في أمر ما، وقد تتفق معها في شيء آخر. وما تختلف معها فيه يوافقها غيرك عليه والعكس صحيح. في المحصّلة ثمّة قرار يجب أن يُتَبّنَّى، وما من قرار يُتَّخَذ بمعزل عن جميع المؤمنين.
في الممارسة ثمّة توجّهات قد تشتدّ أو تتراخى، لكنّها، أيضاً، قد تخطئ الهدف والمنهج وقد تخطئ أحدهما. من لاهوت سليم ومستقيم يجب أن ينطلق الحكم على أيّ توجّه أو سياسة كنسيّة. كلّ عمل، مهما كان سامٍ، لا ينطلق من لاهوت أصيل وواضح سريعاً ما يسقط ويُعثِر وينحرف عن هدفه.
وبحسب تعليمنا الروحي، ما من نقاء في اللاهوت بمعزل عن نقاء في العيش والسيرة وكيان الإنسان. تالياً إمّا أن تتنقّى ليحلّ فيك رأي الله ومشيئته، أو تبقى أسير أهوائك وضعفاتك فتخلط ما بين مشيئة الله ومشيئتك الذاتيّة، وتنشيء لنفسك لاهوتاً يبرّر لك طَبْعك الرديء أو المريض وصغاراتك المسيئة، بهدف تأمين راحةً لضميرك من ناحية استمرارها فيك.
هذا يصحّ في الإكليروس والعلمانيين على حدٍّ سواء وعلى قدم المساواة. كلاهما بشرٌ أعوزهم مجد الله، أناس معرَّضون للزيغان والانحراف والرؤية المشوَّشة والزلّات. كثيراً ما يخطيء الإكليريكي، وكثيراً ما يخطيء المؤمنون أيضاً. كم نجد في الواقع حالات حيث يجرّ بعض المؤمنين، وليسوا بقلائل أحياناً، الإكليريكي إلى الإحباط واليأس، فيزلّ ويتساهل مع مطالبهم ولا يعود يقظاً ومتحمّساً لخلاص نفوسهم.
علّمتني الخبرة بأنّ استقامة الانتقاد الموجَّه إلى الكنيسة من بعض أبنائها مرتبط، بشدّة، بتوجّهات هؤلاء المنتقدين. فعلى سبيل المثال، يهاجم من يريدون الكنيسةَ مؤسّسةً اجتماعيّةً أو طائفيّةً بارزةً التوجّهَ الروحيّ الصافي الذي ينشد نور الله ورضاه؛ بينما ينتقد الروحيّون الغرقَ في الشؤون الدنيويّة التي قد تحجب، أحياناً كثيرة، وجهَ الله!!
دُعيتُ مرّةً إلى المشاركة في تدشين أحد المباني الكنسيّة، وسمعت، في الوقت ذاته، انتقادات شديدة اللهجة، لأنّه [المبنى]، عند بعضهم فاخر الأثاث والتصميم، بشكل زائد عن اللزوم، ويجب، برأيهم، أن يكون أكثر بساطة لئلا يجرح الفقراء، وانطلاقاً من مشاركة الكنيسة للمحتاجين، اقتداءً بسيّدها وربّها، يسوع المسيح. أمّا انتقادات بعضهم الآخر، وكلّهم من الذوات والوجهاء، فكانت، على العكس من الأولى، لأنّه، باعتباراتهم، لا يليق بمركز الطائفة ومقامها والذين سيقصدونه من ذوي النفوذ والمسؤوليّة، مقارنةً بمبان طوائف أخرى!!! من يفصل في الأمر؟ من يقرّر أين تكمن مشيئة الله بخصوص المبنى موضع الانتقاد؟
أمّا الزلّات فهي انزلاقات أو قُلْ خطايا عن غير قصد، قد تقع في الأوساط الكنسيّة. نميّز، في أدبنا الروحيّ، بين تجارب من اليمين، والمقصود بها هجوم للخطيئة جليّ ومباشر، كالحثّ على السرقة أو القتل أو الفسق...إلخ، وبين تجارب من اليسار، وتكمن في هجومٍ لخطيئة متلبّسة بمظهر الفضيلة، كأنّ نسخو على عمل المحبّة بغية مكسب اجتماعي، أو يكون دافع غيرتنا على جمال العبادة تغطيةً على تهربّنا من تنقية نفوسنا ومن عيش التوبة، أو أن يحثّنا المجد الباطل على أعمال فاضلة لكي يغذي كبرياءنا...إلخ.
تتعرّض الكنيسة المجاهِدة، [التي على الأرض]، بحكم آثار السقوط التي يعاني منها أعضاؤها، إلى تجارب مختلفة ليست دوافعها شرّيرة دائماً، بل قد تكون صالحة أيضاً. هذه نسمّيها "زلّات". إنّها أخطاء نابعة من عدم كمالنا، لكنّها في النهاية خطايا لأنّ تعليمنا الروحيّ يعدّد من بين خطايانا، تلك التي عن معرفة وقصد والتي عن غير معرفة وقصد.
الزلّات" مُعْثِرة أكثر من الخطايا. فتحديد الخطيئة سهل بسبب وضوحها ومخالفتها الجليّة للوصايا الإلهيّة والتعليم الإنجيلي. أمّا الزلّات، فلأنّها تحدث بنيّة حسنة لا سيّئة، يصعب التفريق بين ما يعود، فيها، لله والحسّ الإنجيلي والحكمة التي من الله، وبين ما يعود لسوء التقدير أو الانقياد إلى الافتخار والحكمة البشريّة. يدعونا الإنجيل إلى أن نكون "حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام". السؤال الحاضر دائماً في الكنيسة هو كيف نوازِن بين الحكمة والوداعة؟ متى تغلب هذه تلك؟
ثمّة خطر آخر في الزلّات ناجم عن الكبرياء والعناد التي تمنع صاحبها من التراجع عن زلّته. فتراه يسعى بكلّ الوسائل إلى تبريرها والاستمرار فيها تأكيداً لصحة رؤيته أو فعله، بينما الحقيقة كامنة في عدم قدرته على التراجع ومواجهة الخيبة. هذه حالة مُعثِرَةٌ جدّاً لأنّها تزيّن الخطأ وتصوّره حقّاً. هكذا تساهم كبرياؤنا في تشويه المفاهيم المسيحيّة وتحليل انحرافنا عنها وزيادة الضلال في نفوس وأذهان من هم حوالينا!
يقول الشيخ صُفروني زَخاروف: "أكبر قصاص للإنسان هو أن يتخلّى الله عنه ويتركه لمشيئته الذاتيّة. في عصرنا الذي فقد المسيح، لا أحد يفهم هذه العبوديّة الظاهريّة".
لم يوجد زمن خالٍ من تحدّيات أساسيّة للكنيسة. الشرّير حاضر لمحاربتها في كلّ حين. قد تختلف التحدّيات من زمن إلى آخر، وتالياً تختلف الزلّات وتتفاوت انعكاساتها على شعب الله وعلى الجسم الكنسي بعامّة من زمن إلى آخر.
يبقى أنّ مواجهة التحدّيات تقوى بقدر ما يكثر عشراء الله وأصفياؤه في الكنيسة المحليّة. فالكنيسة التي تحيا في هذا العالم الساقط وتعمل على انتشاله من سقوطه الروحي، معرَّضةٌ، في كلّ حين، للتلوث بوحل هذه الدنيا. وبقدر ما يكثر الأطهار فيها تتنقّى من أوحالها وينعكس بهاء الله فيها ويشعّ مجده على العالم الذي افتداه.