أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

اللاهوت علم الله أو الإلهيّات. "ثيولوجيّا" لفظة يونانيّة مركّبة من كلمتين: "ثيو" وتعني الله، و"لوجيّا" وتعني علم. ومنها أخذت معظم اللغات الغربيّة اللفظة Theology، Théologie. اللاهوت تحديداً هو معرفة الله.

أما علم اللاهوت فهو دراسة العلوم الدينيّة المسيحيّة على تنوّعها: الكتاب المقدّس، الليتورجيا، العقيدة، تاريخ الكنيسة وآباؤها، ...إلخ. هذه علوم باتت تُدَرَّس في الجامعات.
من هو اللاهوتيّ؟ وكيف يعرف الإنسان الله؟
اللاهوتيّ، في الكنيسة الشرقيّة، هو الإنسان الذي تجاوز مرحلة التنقية والتطهير واستنار بالروح القدس ودخل في خبرة حيّة معه، أي وصل إلى مرحلة المعاينة الإلهيّة. هذا يتكلّم عن الله لأنّه "يعرفه كما هو" (1يو3/2).
الله سرٌّ لا يمكن للإنسان استيعابه. يستحيل إدراك جوهر الله. يقول الله لموسى النبي عندما طلب رؤيته: "أمّا وجهي فلا تقدر أن تراه، لأنّ الذي يراني لا يعيش" (خر33/20). لكن الله، بدافع محبّته للبشر، تنازل لأن يكشف عن قواه أو طاقاته أو نوره للإنسان، لكي يعرفه معرفة حيّةً وشخصيّة. لذلك قال لموسى: "هنا مكانٌ بجانبي تقف فيه على الصخرة وأغطّيك بيدي حتّى أمرّ. ثمّ أزيح يدي، فتنظر ظهري. وأمّا وجهي، فلا تراه" (خر33/21-22). "وجه" الله في هذا النصّ المقدّس هو جوهره، أمّا "ظهره"، أو "قفاه" في الترجمة القديمة، فيعني نوره أو شعاعه الإلهي غير المخلوق.
فاللاهوت ليس تنظيراً عقليّاً ولا فلسفة بشريّة في الله أو الإلهيّات. ولو أنّ اللاهوتيّ يستعمل عقله وثقافته ليؤمِّن الدقّة في التعبير وينحت اللفظة الأكثر تعبيراً عمّا لا يُعَبَّر عنه، ويوصل التعليم المستقيم بالطريقة الفضلى إلى السامعين. للعقل وللعلوم البشريّة دور في صياغة معرفة الله والتعبير عنها بشكل سليم.
اللاهوت، في المفهوم الأرثوذكسيّ، هو التمييز الصحيح بين ما هو من الله وما هو من غير الله (الشيطان)، بين ما يتوافق وما لا يتوافق ومشيئة الله. بتعبير لاهوتيّ آخر، هو التمييز بين قوى الله غير المخلوقة وقوى الشيطان المخلوقة.

اصطُلِح على تسمية الذين يدرسون علم اللاهوت في الجامعات بلاهوتيّين لأنّهم يتعاطون علم اللاهوت، والأحرى أنّهم باتوا إخصائيين فيه. الدراسة وحدها لا تصنع لاهوتيّاً بالمعنى الأصيل للكلمة، أي العارف الله، وإن كانت تغذّي الدارس وتنيره وتعلّمه. متعاطي الإلهيّات، ما لم يحيَ التوبة والتنقية والصلاة على الدوام، وينِره الروح القدس، يبقى ناقلاً أو محلِّلاً أو منظِّراً أو مُقارِباً لخبرة عمل الروح القدس في الكنيسة. هذا حال معظم الرعاة ومن يُسَمَّون باللاهوتيّين.
بقدر ما يكون دارس اللاهوت جدّيّاً وتَواباً ومثقّفاً ومطّلعاً على أحوال العالم، وبقدر ما يستزيد من خبرات القدّيسين ويتتلمذ على أيديهم، يكتسب المقدرة على إبلاغ بشرى الخلاص وصياغة التعابير الدقيقة والقول المناسب المُحيي "هنا والآن". تواضعَه يجعلُه ناقلاً ومَعْبَراً أميناً للتعليم المستقيم.
أمّا استقامة كلامه، فتكمن في انسجامه مع الكشف (الوحي) الإلهيّ الذي تمّ في الكتاب المقدّس وتراث الكنيسة (تقليدها الشريف) الذي راكمه القديسون الذين سبقوه ولا يزالون.
***
المقولة الشائعة في الكنيسة الشرقيّة هي "اللاهوتيّ هو إنسان الصلاة، وإنسان الصلاة هو اللاهوتيّ"، توضح أهمية صلة اللاهوتيّ الحيّة مع الله.
من هنا ليس اللاهوت، أقلّه في الكنيسة الشرقيّة، لنخبة من البشر بل لجميع المؤمنين. فالجميع مدعوون إلى التألّه. ومن المألوف أن تجد، في الكنيسة الأرثوذكسيّة بروفيسوراً في اللاهوت يعرض مسوّدة كتاب له قبل طباعته، على شيخ روحيّ متقدِّم في الحياة الإلهيّة، بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا الشيخ حاصلاً على علوم بشريّة عالية أم لا. المهمّ أن يكون قد بلغ الاستنارة الإلهيّة وصار قادراً على تمييز الأرواح.
***
تحفظ الكنيسة اللاهوت المستقيم في قوانين الإيمان ليحفظها المؤمنون، فتقيهم الوقوع في الهرطقات أو الشيع المتنوّعة. ويُسَمَّى هذا الحقل باللاهوت العقائديّ.
لا شكّ في أنّ عصرنا الحالي يجفل من العقائديّات ويلفظها. فالحياة المعاصرة قائمة على الأحاسيس أكثر ممّا هي على الفكر. لذلك تزدهر في عالمنا "الروحانيّات" المختلفة، ولا يستطيع المؤمنون التمييز في ما بينها ليتبيّنوا السليم منها من المنحرف، لأنّهم يكتفون بلمسات حسيّة تدغدغهم مُوهِمَةً إيّاهم بالقليل من خيالات السلام والراحة والسعادة.
يخسر المؤمنون الكثير من وهج الحياة في المسيح وفرحها عندما لا يعيرون أمور الإيمان الاهتمام الكافي. الميل إلى الاكتفاء بالعواطف الدينيّة يُفقِر النفس ويجعل البعد الدينيّ مجرّد تجميل (ماكياج) روحيّ خالٍ من الغنى الداخليّ الذي يحتاجه البشر لكي يجدوا معنى لوجودهم وحياتهم.
***
يخطئ المؤمنون كثيراً عندما يهملون معرفة إيمانهم بشكل جيّد، وتالياً لا يتشبّثون به. خطِرةٌ اللغة الشائعة في أوساطنا، تلك التي تركّز على المحبّة، على سبيل المثال، من دون أن تعرِّفها أو تحدِّدها، ولا تربطها بالإيمان بقدر ما تربطها بالعواطف والمشاعر التي تتبدّل بتبدّل الظروف والانفعالات. تجدنا نسمع كلاماً كثيراً عن المحبّة، قد يصل إلى حدود الابتذال، ولا نجد محبّةً فاعلةً متجسّدةً عمليّة.
المحبّة التي لا تأتي من معرفة الله الحقّة وعشرته اليوميّة تبقى في حدود الأحاسيس والعواطف، وما أسهل تبدّلها وزوالها. كلّ ما لا يأتي من لاهوت سليم ورؤية إلهيّة قويمة يبقى بشريّاً محضاً، وتالياً لا يخلص، ولا يُشبع قلب الإنسان التائق إلى خالقه.
ليس عبثاً أنّ الكنيسة ناضلت كثيراً، واستشهدت مراراً، في سبيل الحفاظ على الإيمان المستقيم. لقد اختبرت جيّداً بأنّ أيّ انحرافٍ في الرؤية الإلهيّة يؤدّي، لا محالة، إلى انحراف في العيش والحياة.