أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

منذ فترة استطعنا، بمساعدة بعض الأصدقاء من إحدى الهيئات الكنسيّة، التي وجّهنا لها شكراً علنيّاً آنذاك، تأمينَ بعض المساعدات التي وزّعناها على أبنائنا في رعايا محافظة درعا.

في المدينة اعتذرت ست عائلات لا تعتبر نفسها في عوز، عن قبول المساعدة وطلبت تقديمها للعائلات المعوزة حقّاً. كانت لحظة مضيئة في واقعنا. أُوجّه لهذه العائلات كلّ الشكر. بارك الله فيها، وكثّر من أمثالها.
ثمّة مقارنة لا تصحّ، لأنّها في غير محلّها، بين ما يحصل في كنيستنا على صعيد المساعدات الإنسانيّة، على أنواعها، وبين ما يحصل عند غيرنا. لا تصحّ هذه المقارنة ولكن الكثيرين من أبنائنا لا يعرفون الواقع المالي الكنسي، وغيرهم لا يريدون أن يعرفوا!
نحن كنيسة محليّة تعيش من عطايا مؤمنيها، وتحيا اليوم بالعطايا التي قدّمها السابقون، أي تعيش على عطايا الموتى!! الأوقاف التي قُدِّمت في الماضي، وحصل تطوير فيها وتنمية لها، تدرّ بعضاً من المصاريف اللازمة لاستمرار الكنيسة في تأدية رسالتها الروحيّة وما بات يُدعى بالرسالة الاجتماعيّة. [عندنا تحفّظ على هذه التسمية، لا مجال للخوض فيه الآن].
أمّا غيرنا، فتأتيه المساعدات من خارج الإطار المحلّي. وللمزيد من الإيضاح أضرب المثل التالي: الأسقف عندنا، [وتالياً الكاهن]، مسؤول عن تأمين أيّ مساعدة مطلوبة في أيّ حقل من الحقول! والأسقف نفسه هو المسؤول فعليّاً عن تدبير شؤون المطرانيّة والأبرشيّة وتأمين ما يلزم لها من مصاريف. ثمّة مطارنة في كنيستنا الأنطاكيّة يقدِّمون كلّ ما يأتي إليهم شخصيّاً لخدمة الأبرشيّة دونما تطبيل وتزمير!! أمّا غيرنا فتصله المساعدات المخصّصة لهذا الحقل أو ذاك (التعليم، الرعاية، الطبابة، الغذاء...) من خارج إيراد كنيسته المحليّة.
نحن مضطرّون، في غالبيّة الأبرشيّات، إلى تأمين توازن دقيق جدّاً في توزيع الكتلة الماليّة المتوفّرة بشقّ النفس، أمّا غيرنا فمعظم، إن لم يكن كلّ ما يصرفه على المرافق المتعدّدة من رسالته لا يخرج من الكتلة المتوفرة في كنيسته المحليّة، بل يُضاف إليها.
الانتقاد [علينا التفريق بين الانتقاد والنقد العلمي الذي له أصوله ووظيفته] سهل ومسلٍّ، لكنّه هدّام لنفس المنتقِد وللجماعة موضوع الانتقاد، كما أنّه خادم أمين للشيطان لا للربّ، لأنّه يُعثر الكثيرين ويمنع بعضهم من تفعيل المبادرات التي يلهمهم الله إيّاها.
أمر آخر في هذا المجال هو مساهمات المؤمنين القادرين على إعالة إخوتهم وتمكين المؤسسات الكنسيّة الخدميّة من تأدية رسالتها. عندنا في هذا الحقل غياب مؤلم وواضح. لماذا علينا انتظار ما نستطيع تحصيله من الجهات غير المحلّية والهيئات الإغاثية والكنائس الأخرى المدعومة من الخارج، بينما الإمكانيّات المتوفّرة في أوساطنا وعند أغنيائنا ليست بالشيء اليسير؟
للأسف، كشف الواقع المأساوي الحالي عمق أزمة توفّر المحبّة الحقّة في أوساطنا. عندنا تغنٍّ بالمحبّة كثير. ثمّة شعر وشعارات في كلّ مكان. أمّا المحبّة المتجسّدة فعلاً، والمسيحيّة ديانة التجسّد بامتياز ومن دون التجسّد ما من مسيحيّة، فغير منظورة وغير ملموسة.
سأضرب مثالاً من أبرشيّتي، حتّى لا أتكلّم بلسان أبرشيّة أخرى:
منذ أن تأسس مشروع "السامري الصالح" في أبرشيّتنا (2012) وبدأ الخدمة (ميلاد 2014) وحتّى الآن، لم تزد نسبة دعمه الواردة من أبناء الأبرشيّة المغتربين عن أكثر من 1.7% فقط، في أحسن الأحوال!!!
نحن لا نعتمد الإعلام والإعلان بما يخصّ تقديم الخدمات، ونحترم كرامة الذين يُخدَمون، ونمتنع عن تصويرهم. نكتفي بتقرير عام يُنشر في آخر السنة، ورسالة شكر مرفقة بصورة التقرير لكلّ متبرّع. لكنّ القشة عند غيرنا تُرى بينما الخشبة عندنا لا تُرى!!! هل يريد بعض من أبناءنا أن يدفعونا بجحودهم إلى امتهان كرامة المعوزين والمتاجرة بها!!!؟
هذا مثال من أبرشيّة معروفة بفقرها. ماذا عن واقع المؤمنين القادرين في الأبرشيّات الأخرى؟
ثمّة أزمة أخرى كشفتها أوضاع بلداننا المشرقيّة المأساويّة. إنّها أزمة العطاء. عندنا مفهوم للعطاء مشوَّه ومُضِلّ. لا نربي أولادنا على أهمية العطاء بمفهومه الإنجيلي، أي بغضّ النظر عن الكميّة والقدرة. طوّب المسيح فلسَي الأرملة وقبلهما أكثر من التقدمات الذهبيّة، لكنّ كثيرين هم الذين يتعلّلون بعدم المساهمة بشيء ويؤجّلون عطاءهم إلى أن تتحسّن أحوالهم ويصيرون قادرين!! فيمضي العمر وأيديهم مغلقة، وإذا ما ابتسمت الحياة لهم يوماً، يستصعبون فتح أيديهم لأنّهم لم يتعوّدوا على العطاء!!!
آخرون يتعلّلون بعدم الثقة في المؤسّسات القائمة. حسناً فليؤسّسوا هم مشاريع وليتعاونوا مع من يرون فيهم الثقة التي تطمئنهم. أما الذين باتوا يتعاطون مع الكنيسة، وهم الأكثرية، مجرّد مصدرٍ لمساعدتهم، وإن كان تطلّعهم هذا مشروعاً لأنّها أمّهم، إلا أنّ نظرتهم شديدة الالتباس ومجحِفة كونها تعتبر الكنيسة غنيّة وقادرة!! في الوقت الذي يعفون أنفسهم فيه من مسؤوليتهم تجاه كنيستهم، وتالياً إخوتهم المعوزين!!
ثمّة أمر آخر أيضاً: الأوضاع الاقتصاديّة تتردّى أكثر فأكثر، وبدلاً من أن نقابلها بمزيد من التبسّط في العيش، نرى مظاهر البذخ على كافة الأصعدة، على صعيد الأفراد والمؤسّسات!!! ويعاني العاملون في حقل "خدمة المحبّة" من أزمة ضميريّة بين قبول أو رفض طلب المساعدة المقدَّم لهم، خاصّة عندما يعرفون نهج طالب المساعدة المعيشي الذي لا يدلّ على أنّه إنسان محتاج أو معوز!! لأنّهم يخافون من حرمان المعوز والمعدم منها بسبب عدم القدرة على تغطية حاجات الجميع.
لماذا الذين يشابهون هذه العائلات الست ليسوا الأكثريّة؟ سؤال برسم الإجابة أمام الله.