أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

هل توقّفتَ يوماً عن التفكير بأنَّ ما يؤثّر عليك يؤثِّر عليَّ أنا أيضاً؟ فكلّ ما يؤثِّر عليك يؤثِّر على بؤبؤ عينيَّ أيضاً. أنتَ ثمينٌ في عينيَّ، ثمينٌ جدّاً، وأنا أحبّكَ. ولذلك تُفرحني تربيتكَ فرحاً خاصّاً.

عندما يغمركَ، طوفان تجارب العدوّ، ذاك المنسكب عليك، أريدك أن تعرفَ بأنّه يأتي منّي. أريدك أن تعرفَ أنَّك، في ضعفك، تحتاج إلى قوّتي، وأنّ أمانك يكمن في أن تمنحني الفرصة لكي أدافع عنك.
هل سبقْ ووجدتَ نفسك في دروبٍ صعبةٍ، بين أناسٍ لا يفهمونك، ولا يهتمّون بما تحبّ، أناسٍ بعيدين عنك؟ اعلَمْ أنّ هذا منّي. أنا إلهك، الذي يأمر الظروف. لم تجد نفسك، صدفةً، في هذا المكان؛ إنّه المكان الذي عيّنتُه لكَ بالتحديد. أَلَمْ تطلب منّي أن أعلّمك التواضع؟ لهذا رميَتُك في هذا الوسط تحديداً؛ في المدرسة التي تعلّمك هذا الدرس. والذين هم حواليك، الذين يعيشون معك، يسلكون معك وفقاً لمشيئتي.
إنْ وجدتَ نفسك في ظروفٍ ماليّة صعبة، وإن استصعبتَ تغطية نفقاتك، فهذا منّي. أنا أُدير مواردك، وأريدك أن تتوجّه إليَّ، لتعرف أنّك تعتمد عليَّ؛ فمخازن مواردي لا تنضب. أريدك أن تقتنع بأنّني أحفظ وعودي بأمانة وإخلاص، لكي لا يتمكّن الآخرون، في أوقات عَوَزِكَ، من القول لك: "لا تثقْ بالربّ إلهك".
هل جِزْتَ سابقاً ليل الأحزان؟ إنْ كنتَ قد اغتربتَ عن محبّيك أو أقربائك، فأنا من أرسل لك هذا. أنا رجل الأحزان، الذي يعرف معنى المرض. سمحتُ بذلك لكي تستدير إليَّ وتجد فيَّ الراحة الأبديّة.
إنْ خَيَّبَكَ صديقٌ كنتَ قد فتحتَ قلبك له فهذا منّي أيضاً. سمحتُ لك بأن تختبر هذه الخيبة، لكي تدرك بأنّ الربّ هو صديقك الحقيقي. أريدك أن تجلب إليَّ كلّ شيء، وأن تتكلّم معي. إذا افترى أحدهم عليك، أَحضِره إليَّ، أَلصِقْ كتفك بي واستَنِدْ عليَّ، فأنا ملجأُك، وستجد نفسك في حِمَىً من الألسنة المتأججة. سأُظِهر حقيقتك كالنور الساطع وسمعتك ستضيء كشمس الظهيرة.
عندما تفشل خططك وينكسر قلبك وتُستَنْزَف، فهذا منّي. لقد صنعتَ خططك بنفسك، واتّبعتَ نواياك الشخصيّة وأتيتَ بها إليَّ تطلب بركتي. لكنّني، أريدك أن تسمح لي بأن أقرّر ظروف حياتك وأنظّمها، لأنّك مجرّد أداة لا مشارِك فعّال.
عندما تواجهك أسواءٌ غير متوقعة في حياتك الدنيويّة، ويلفّ اليأس قلبك، فاعلم أنّ هذا منّي. لأنّني أريد أن يكون قلبك ونفسك متوهجين أمام ناظريّ، لكي تهزم باسمي أيّ وهن يصيبك.
إذا ما ضربك ضعف القلب والإيمان، بسبب الأمور العزيزة على قلبك، وأوقعك في عدم الرضى والتذمّر واليأس، فاعلم أنّ هذا منّي أيضاً.
فمن خلال اضطراب نفسك أَختبرُ قوّة إيمانك وثبات وعودك، وجرأة صلواتك من أجل الأعزّاء على قلبك. ألست أنت الذي أودعتني إيّاهم، وأسلمتَ لعناية محبّتي الاهتمام بهم؟ ألستَ أنت من ائتمنهم تحت حماية أمّي الفائقة الطهارة؟
إنْ ضربك مرض عضال، قابلٌ أو غير قابلٍ للشفاء، وصرتَ طريح الفراش، فهذا منّي.
أردتُك أن تعرفني معرفةً أفضل وأعمق، من خلال مرضك الجسدي، حتّى لا تعود تتذمّر من كلّ تلك التجارب المرسلة إليك، ولا تجتهد، بوسائل متنوعة، لكي تدرك مخطّطاتي من أجل خلاص النفوس البشريّة. أريدك، بدلاً من هذا، أن تحني رأسك أمام نعمتي بطاعةٍ ومن دون تذمّر.
إذا سبقَ وحلمتَ بالقيام بعمل مميّز لي، وبدلاً من ذلك اضطُررتَ إلى التزام سرير المرض والضعف، فهذا منّي.
لأنّك كنتَ لتضعَ نيراً ثقيلاً على ذاتك، وما كنتُ أنا لأستطيعَ أن أجذب ذهنك إليَّ، حتّى أعلّمك أعمق أفكاري ودروسي، لكي تكون في خدمتي. أريدك أن تدرك أنّك لا شيء من دوني. بعض أفضل أولادي هم أولئك الذين اضطُروا إلى التوقّف عن العمل الفعّال، وتعلّموا استعمال سلاح الصلاة المستمرّة.
إذا دُعيتَ، على غير توقّعٍ، إلى تحمّل موقعٍ مسؤولٍ وصعب فضعْ ثقتك فيَّ. لقد إئتمنتُكَ على هذه الصعوبات، ولأجلها، سيباركُك الربُّ إلهُكَ في كلّ ما تعمله، وأينما تذهب؛ سيكون ربّك موجِّهاً ومعلِّماً لك في كلّ شيء.
في ذلك اليوم يا ولدي، أكون قد وضعتُ في يديك خزّان الزيت المقدّس هذا. استعمله بحريّة ومجانيّة. وتذكّر، على الدوام، أنّ كلّ صعوبة تعترضك، وكلّ كلمة تؤذيك، وكلّ اتّهام ظالم أو إدانة خاطئة وكلّ عائق يمنعك من القيام بعملك ويسبّب لك خيبةً ووهماً وقلقاً داخليّاً وأيّ مظهر من مظاهر الضعف والوَهْن سوف يُمسح بهذا الزيت. هذا يأتي منّي أيضاً.
تذكّر أنّ كلّ اتّهام مزيّف إنّما هو تعليم لك ودرس من الله. لذلك، اغرسْ في قلبك هذه الكلمات التي قلتُها لك اليوم: إنّه منّي.
احفظها، اعرفها وتذكّرها على الدوام، حيثما ذهبتَ. وستبرد نار أوجاع أشواكك المختلفة، إذا ما تعلّمتَ أن تراني في كلّ شيء. إنّي أرسل كلّ شيء لأجعلك كاملاً. كلُّه منّي يا بنيّ.

#وُلد القديس سيرافيم فيريتسا لابس الإسكيم الرهباني، في العام 1865 في ياروسلاف، ورقد في العام 1949 في مقاطعة لينينغراد. يمكننا القول إنّه كان واحداً من معاصرينا. عاش خبرة مميَّزَة، فقد رافق الملكية والثورة وسنوات القوّة السوفييتية والحروب المدمِّرة...
بدأ فلّاحا ثم بائع تجزئة، فبائع فِراء ناجح، وزوج وأب لطيف لثلاثة أطفال، وأخيرا راهبا ومرشدا روحيا لدير روسي كبير (لافرا القديس ألكسندر نِفسكي)، وشيخاً روحيّاً. كرّس حياته بالكليّة لله، في كلّ شيء وفي كلّ الظروف. لقد أطاع وصيّة ربنا يسوع المسيح العظمى طاعةً تامّةً: "أحببْ الربّ إلهك من كلّ نفسك، ومن كلّ ذهنك ومن كلّ قلبك ومن كلّ قوّتك... وأحببْ قريبك كنفسك" (مت22/37-39). في وسط الاهتمامات الكثيرة التي حملها طوال حياته، لم يكن القدّيس سيرافيم فيريتسا قادراً على حفظ نفسه من التجارب فقط، بل استحقّ أن يحصل على مواهب روحيّة عظيمة. مسيرة حياته درسٌ لكلّ منا.

من كلماته المأثورة: "أنا خزّانٌ تتجمَّعُ فيه آلام الناس".
أرسل هذا النصّ رسالةَ تعزيةٍ لأحد أبنائه الروحيّين، وكان أسقفاً، حُكم عليه بالسجن منفياً في معسكر اعتقال في سيبيريا. وقد طُبعت باسم "عهد الربّ"، بعد رقاده. نفعنا الله بشفاعته.