كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

حالما نذكر القدّيس العظيم والكاتب الروحيّ أغناطيوس بريانتشانينوف، الذي تغطّي مجموعة كتبه كلّ بعدٍ من أبعاد الحياة النسكيّة، نجد أنفسنا مضطرين إلى استذكار أنّ الآلام التي عاشها قد ساهمت في تحصيله للحكمة العميقة والأساسيّة التي تميّز بها. فعلى الرغم من أنّه وُلد في عائلة نبيلة، وتمتّع باحترام القيصر الروسيّ نفسه، إلا إنّ حساسيّته الروحيّة المرهفة جعلت حياته، في أثناء رئاسته لدير القدّيس سيرجيوس بالقرب من العاصمة، في زمن تسرّبت البرودة فيه إلى الحياة الدينيّة، حِملاً مفرط الثقل. ولسخرية الزمان، كثيراً ما أساء فهمه رهبان زمنه الذين يدعوهم "الرهبان المدرسيين scholastic"! [السكولاستيكيّة هي نهج عقلانيّ في مقاربة الله. تطوّر في العصور الوسطى، في الكنيسة الغربيّة، الكاثوليكية بخاصّة، وكانت آنذاك الكنيسة اللاتينيّة فقط. تتعارض السكولاستيكيّة مع الهدوئيّة، وهي النهج القائم على التطهّر والنسك والصلاة القلبيّة، والسائد في الكنيسة الشرقيّة، الأرثوذكسيّة بشكل خاصّ]. [حاول اللاهوت السكولاستيكي أن يفهم الوحي الإلهي بالمنطق العقلي وأن يتوافق مع المنهج الفلسفي].
بعدما خدم أسقفاً في القوقاز، مُنح، بناء على طلبه، الإذن بالتقاعد في دير القدّيس نيقولاوس في "باباييف" على نهر الفولغا. ننقل هنا مقتطفات ممّا جاء في رسائله التي يتحدث فيها بصراحة عن توق نفسه العميق في أثناء سنواته الأخيرة.
*************

- عمري الآن سبع وخمسون سنة؛ لست متقدّماً في السنّ جداً، لكنّني بدأت أخطو نحو نهاية حياتي، وبحسب قول البطريرك يعقوب: "قليلة ورديئة كانت أيّام سنيّ حياتي"(تك47/9). صحّتي سيّئة بحسب الطبيعة؛ لقد كسرتها مشاقّ الحياة، الأخلاقيّة منها بخاصّة وهي الأقسى: ففي بدء حياتي الرهبانيّة لم أعثر على راهب على صورة حيّة لتعاليم آباء الكنيسة الأرثوذكسيّة النسكيّة. لقد رغبت في اعتناق هذا التوجّه [النسكي] لأّنني اعتبره التوجّه السليم، ممّا وضعني في موقع المعارضة مع الجميع، وزجّني في صراع، وحدها يد الله وفقط يد الله التي نجتّني منه وقادتني إلى دير "باباييف" حيث حياة السكون. وكما ترون، فقد رفعوا أصواتهم حتّى ضدّ منفاي؛ رفعوها لهذا السبب: لأنّهم جحدوا تعاليم الكنيسة الأرثوذكسيّة واعتمدوا النظريّات التي تعاكسها، حتّى إنّهم دخلوا في عداوة مع هذا التعليم [الأرثوذكسي]....
- لا تتأسفوا على رحيلي عن الخدمة الاجتماعيّة، ولا تفترضوا أنّه كان بإمكاني تقديم أيّ فائدة فيها. روحي غريبة بشكل قاطع عن روح أزمنتنا، وعلى العكس [ممّا تعتقدون] كنت لأصير عبئاً ثقيلاً على الآخرين. هم يظهرون الآن رحماء تجاهي لأنّني صرت بعيداً عنهم، لأنّني صرت من سكّان الغابات!

- إنّ درب حياتي، وكذلك الذين يرافقوني، مزروعة بالأشواك على وجه التحديد. لكن هذا هو الدرب الذي يقود الربّ مختاريه وأحباءه عبره! إن لم يسلك الإنسان في درب الأشواك لا يستطيع أن يفتح عينَيّ نفسه ولا أن يرى العطايا الروحيّة التي يقدّمها المسيح! - قضيت بعضاً من سنوات عمري في منسك سيرغييف، آنذاك كانت قوى عدم الإيمان والنكران التي تدعو ذاتها بالأرثوذكسيّة، قد حطمّت التراتبيّة الكنسيّة وجعلتها كِسَراً وسخرت من كلّ ما هو مقدّس وأساءت استعماله. والآن نشعر، بقوّة شديدة، بنتائج هذه الأفعال. أرغب، برحمة الله، أن يُصفح عن كلّ شيء وأن لا يُفَكَّر بأيّ إنسان أذنب تجاهي، لكن أريد أن تعرفوا أفعال أعداء الكنيسة والمسيح، وأن تميّزوها بحسب ما هي عليه. سوف يدعو "المسيح الدجّال" نفسه "المسيح"، وسيقدّم ظهوره كما من الله، لكنّه وأفعاله سيدفعون الثمن...
- نحن نعيش في هدوء عظيم، ونضع رجاءنا في الربّ الذي يرشد خدّامه ويهيء لهم أماكن خلاصهم ووسائلها، حتّى في زمن المسيح الدجّال، كما يشهد بذلك سفر الرؤيا...
- كإنسان مريض، يجب أن يكون رجائي، لا أعمالي ولا مزاياي، هو ملاذي، بل بالأحرى رحمة يسوع الإله - الإنسان ومزاياه.
- صحتي سيّئة جدّاً بالعموم. أنا نصف ميت. كلّ شيء في وقته. ثمّة وقت يأتي حينما يجب أن أوجّه انتباهي بشدّة إلى نفسي بالأخصّ، لكي أهيء [بالتوبة] نفسي للرحيل عن هذه الحياة.
- لقد قادتني رحمة الله إلى ملجأ هادئ. على من يعزم على خدمة الله أن يصلّي إلى الله حتّى يحصل على نيّته هذه وحتّى يرتّب الله له خروجاً من العالم. لقد ترتّب خروجي أمام أعينكم. يجب ألا نقع في الازدواجيّة عندما يتأمن ما هو ملائم لنا. إنّها الساعة الحادية عشرة! قد يُغلَق حقل التوبة سريعاً، في برهة، بالموت. حينئذ لن يتوفّر لنا وقت حتّى لإلقاء نظرة من جهة إلى أخرى.
- تنقضي أيّامي كالظلّ، وتخور قواي بشدّة، وتتملّكني الرغبة في قضاء أواخر أيّامي في التوحّد أكثر من أيّ وقت مضى. لقد رفعت طلبي بهذا إلى المجمع المقدّس أسأله الإذن بالتقاعد من رعاية أبرشيّتي وإرسالي إلى دير القدّيس نيقولاوس الشركوي في أبرشيّة كوستروما. تشعر نفسي بالطمأنينة الداخليّة، وحتّى بفرح رائق، بعدما فعلت هذا، كما لو أنّني أتممت واجبي. لا أميل إلى العيش في أماكن مهمّة ولا إلى شغل مراكز مهمّة. ضعفي وصحتي العليلة لا يسمحا لي بذلك. لو أنّني تأرجحت في الازدواجيّة [بين العمل والتوحّد] وأرجأت نيّتي الصالحة بالاعتزال طلباً للتوبة، (وهذا ما يحاول عدوّ خلاصنا إغرائي به تحت ذرائع غرّارة وسطحيّة)، لكنت قضيت بقيّة حياتي في الازدواجيّة والتردّد، ولكان الموت يلقاني غير مستعد. "بابيكا" مكان منعزل، زوّاره قلائل، في الشتاء بخاصّة، حيث لا زوّار على الإطلاق. مناخه جافّ وصحّي بسبب نهر الفولغا. وإذا كان الله قد منحني هذا الملاذ، فهو يصلح ملاذاً للكثيرين ممّن يرغبون بالخلاص بحقّ، بعيداً عن العالم الصاخب.