كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

+تقول الترتيلة في عيد ميلادك حبّاً بنا، يا مسيحي، إنّ كلّ فرد، ممّا قد خلقتَ، قد قدّم لك هدية شكرٍ: "لأنّك ظهرت على الأرض إنساناً من أجلنا؛ الملائكةُ التسبيحَ والسمواتُ النجمَ والمجوسُ الهدايا والرعاةُ التعجّبَ والأرضُ المغارةَ والقفرُ المذودَ، وأمّا نحن [البشر] فأمّاً بتولاً".
فماذا أقدّم لك أنا الذي لا أحتمل "لا حرّ النهار ولا برد الليل"؟
إنْ نظرتُ إلى نفسي لا أرى فيها سوى غبار خطاياي، غير أنّي سأضعها أمامك، ليُخجَلَني بها فقرُ مذودك، فأطرحها عنّي.
وإذا ما نظرتُ ذاتي فيك ومن خلالك سآتي بما أعطيتني من قدراتٍ ومواهب لأضعها بين يديك، عساها تنمو بك وتكبر، فأستأهل أن أخدمك في شعبك بواسطتها، فلا تكون لي لإدانةٍ بل لحياةٍ فضلى.
وإذا ما تطلّعتُ إلى كياني، باعتباري شخصاً فرداً وسط كثيرين، تَراني أسجد أمامك اليوم بشكرانٍ عميم، لأنّك عرّفتني بك وجعلتني مستحقّاً لأن أدرك عظمة ما يمثّله ميلادُك الأرضي، بما فيه من طاقات المحبّة والتواضع والصمت والسلام.
*****
آتي إلى مذودك اليومَ ربّي حاملاً أوجاعي وأوجاع البشر الذين من حولي؛ إذ لا أجد مُنصِتاً لآهاتنا أفضل منك، لا بل أَصدَقُ القول إن أسررتُ لك بأنّني لا أجد سواك مصغياً لنا.
آتيك بأوجاع مختلفة ومتنوّعة يتحمّلها مخلوقك المفضَّل، الإنسان، ولا يجد لها شفاءً في ما يُعرَض عليه من أمور هذا العالم وأدويته. أكوّم معاناتنا فوق قشّ مغارتك على رجاء أنْ تبدّدها محبّتُك الغامرة فنعرفك مخلّصاً حقّاً.
آتيك اليوم بغربتنا عنك، نحن أبناءك الذين بعدما عرفنا عظمة تواضعك وفرح لقاك وغنى فقرك، فضّلنا جسدانيّات هذه الدنيا وما يبدو غنىً فيها، على حضورك الحيّ.
آتيك بجهلنا الذي يطلب السلام من غير مصدره، ناسين أو متناسين بأنّ السلام الحقيقي، سلام القلب وسكينة الطمأنينة، لا يأتي إلا بالحريّة الداخليّة التي يحقّقها حضورُك فينا.
آتيك اليوم بفخرنا المزيَّف بشطارتنا، كوننا نجمع بينك وبين أثواب نخيطها لك ومن ثمّ نستبدلك بها.
آتيك بقلقنا المخبَّأ تحت مظاهر الهيصة والبهجة واللهو، التي توهمنا بأنّنا اقتنصنا ساعة فرح! لنعود إلى ما كنّا عليه من توتّر وضيقِ نفسٍ.
آتيك بظنّنا الواهي بأنّنا نوجَد حينما نُكثر من الأضواء ونعلّي الأصوات في عيدك، فيما نحن، في الحقيقة، نخفي، عن معرفةٍ أو جهلٍ، خوفنا من المستقبل بنسيان واقعنا لوقت يسير.
آتيك بقسوتنا تجاه أفقرنا وأكثرنا عوزاً، وجلّنا لا يدري بما هو عليه من أنانيّة قاتلةٍ وانغلاقٍ على الذات خانقٍ، علّنا نعي أمام ابتسامتك أنَّ تَمَثُّلَنَا بفقرك الأثمن من غنانا، يُغنينا حقّاً ويحرّرنا، فنلتفت إليك في "إخوتك الصغار" لنحتضنهم باسمك في فرح هذا العيد.
آتيك ببعضٍ من الحرب التي تُشنّ على كنيستك بضراوةٍ ووقاحةٍ هنا وثمّة، بأشكالٍ مختلفة ومتنوّعة، من الداخل ومن الخارج، تارة بالعنف وتارة بالإنسانيّة، علَّ الذين يعادونك، أينما وُجدوا، يدركون أنّهم يحاربون أنفسهم حينما يحاربون كنيستك.
*****
ليس زماننا زمان من عرفك من ألفي سنة يا سيّدي. لا، فما زلنا بحاجةٍ ماسّة إليك يا يسوعي.
مازلنا نستبدلك بما تهواه دنيويّاتنا ونقيم الاحتفالات بما دعوناه ميلاديّاً ونسبناه إسميّاً إليك، حتّى وصل بعضنا إلى نسيان اسمك في ما يحتفل به على شرف استفقادك إيّانا!
كان ملء الزمان قد حلّ يا مخلّصي حينما تجسّدت على أرضنا. وما أشبه اليوم بالبارحة. فزماننا هذا شبيه بزمان تنازلك إلينا، ومازال رجاؤنا يدفعنا إلى التماسِكَ أيّها المخلّص الوحيد، على الرغم من أنّنا عطّلنا البوصلة إليك!
يوم زرتنا في بيت لحم، كان الإلحاد العملي منتشراً، والثقةُ بالآلهة قد وَهَنَت والأديانُ السائدة لم تعد تشبع النفوس، أمّا الديانات السرّية ففي أوسع انتشار لها.
كانت المسكونة قد بدأت تتهيأ لاستقبال المخلِّص. وكان البشر يبحثون عنك في الفلسفة والأديان، الرسميّة والسريّة، كما وفي الثقافات والقوّة والعنف والقانون والفنّ.
أمّا اليوم فتراهُم لايزالون يبحثون، ولكن عن ذواتهم وجبروتهم. يبحثون في كلّ زاويةٍ ومَعلَمٍ وما يزين لهم أنّ خلاصهم فيه، لكنّهم، مع كلّ جهودهم، يبقون أسرى انحصارهم بذواتهم، وتالياً عاجزون عن رؤيتك كما أنت إيّاه، لا كما رسموك في مخيّلتهم.
يزداد اليوم انغلاقُ الإنسان على ذاته، يا مسيحي. حتّى إنّك لَتراه يكرّر سقطة آدم عندما رفض أن يكبُر بك.
بقي آدم ينتظر وعدك بانتشاله من سقطته، أمّا إنسان اليوم فيستبدلك بمنتجاته ومنجزاته المختلفة، ويصرّ على رفض الاعتراف بعيوبه وهناته.
كيف يلقاك نوراً وهو يحسب نفسه في الضياء؟
كيف يلاقي نقاءك وهو يعتقد ببرّه الكامل؟
كيف يتحمّل تواضعك وهو يرى نفسه فوق الله؟
كيف يتأثر بمحبّتك وهو مغلق على نفسه إلى حدود الموت؟
كيف يتبنّى فقرَك وهو يكنز لهذه الدنيا فقط؟
*****
ونتساءل بعد هذا كلِّه، لماذا تتكاثر الآلام، ويزداد الضيق، وتنتشر الأمراض وتكثر النزاعات والحروب...!!
يبدو أنّنا لن نعرف خلاصنا إلا بالصليب. وحده الصليب يعرّفنا حدودَنا الحقيقيّة ويجعلنا نطرح كبرياءنا لنرتقيَ إليك واثقين بأنّك وحدك مُحيينا.
أليس لهذا رسم فنّ الأيقونة ميلادك في مغارة سوداء أشبه بالقبر، وجعلك رسّاموها طفلاً ملفوفاً بأقمطة بيضاء تشبه الكفن؟!
هذا ما أملكه من هدايا لك اليوم أيها الإله القريب البعيد. أرجو أن تقبلها من أجل الذين حنيت السماء لأجلهم.
أعرف أنّها لا تليق بك، لكنّني أجرؤ على وضعها أمام مذودك لأنّك لأجل إزالتها قد تجسّدت.
أمَا صرت إنساناً من أجل أن ترفع إنسانيّتنا إلى ألوهيّتك؟