كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

ثمّة مفاهيمٌ أو صورٌ تأتي من هنا وهناك وتسبّب فهماً مغلوطاً أو غير دقيقٍ في أذهان البشر. نتكلم في هذه العجالة عن بعض الصور المرتبطة بميلاد الربّ يسوع المسيح.
ولادته في مغارة لم يذكرها الإنجيل بنسختيه اللتين تكلّمتا عن طفولته، أعني متّى ولوقا. متّى، من جهته، لم يتكلّم عن مكان ولادته تفصيليّاً، بل ذكر في بداية الفصل الثاني أنّه وُلد في بيت لحم "ولمّا وُلد يسوع في بيت لحم" (مت2/1). وفي معرض حديثه عن زيارة المجوس، ذكر في (2/9-11) "وبينما هم في الطريق إذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدّمهم، حتّى بلغ المكان الذي فيه الطفل فوقف فوقه. فلمّا رأوا النجم فرحوا فرحاً عظيماً جدّاً، ودخلوا البيت فوجدوا الطفل مع أمّه مريم".
أمّا لوقا فيفصّل أكثر ويقول: "وبينما هما في بيت لحم، جاء وقتها لتلد، فولدت ابنها البكر وقمّطته وأضجعته في مذود، لأنّه كان لا محلّ لهما في المنزل (لو 2/4-7). يعود عدم توفّر مكان للمبيت إلى كثرة القاصدين مسقط رأسهم بسبب الإحصاء الذي أمر به القيصر الروماني آنذاك.
يتضّح ممّا سبق جملة من الأمور.
أوّلها، أنّ يوسف ومريم قضيا فترة ما في بيت. ليست المدّة التي قضياها محدّدة، غير أنّها ليست عدداً قليلاً من الأيّام، بدليل وصولهما إلى القرية، ثمّ حدث الولادة ووصول المجوس وبحثهم عن المولود ومعرفة هيرودس بمسعاهم ومقابلتهم في أورشليم، ثمّ ذهابهم إلى بيت لحم وتقديم هداياهم.
وثانيها، أنّ المولود قد وُضع في مذود، وهو المعلف الذي يُوضع فيه الطعام للحيوانات في الإسطبل، لأنّه لم يكن ليوسف ومريم محلّ في المنزل.
ممّا ينقلنا إلى الاستنتاج الثالث بأنّ الولادة قد تمّت في ملحق بالمنزل حيث تبيت الحيوانات. وهذا من غير المستبعد أن يكون مغارةً، في طبيعة فلسطين، فمن المألوف أن يكون الإسطبل مغارة يقوم عليها البيت أو تكون هي إلى جانبه.
أمّا الاستنتاج الرابع، فهو المنزل الذي يذكره الإنجيل، وقد وردت اللفظة في الأصل اليوناني "كاتاليما"، وقد نقلتها الترجمة القديمة إلى العربيّة بلفظة "المنزل"، أمّا في الترجمات الحديثة المدقّقة علميّاً بشكل أوفى، فجاءت في إحداها "المضافة" وفي أخرى "الفندق". بينما تذكر نسخة كينغ جيمس الإنكليزيّة الشهيرة لفظة inn التي تعني "النزل"، وهي الأدقّ بخصوص الكلمة اليونانيّة، التي تفيد معنى منزل شبيه بالفندق في أيّامنا، أو ما كان يُعرف في تراثنا الشرقي ب "الخان".
غير أنّ نصوصنا الليتورجيّة تذكر المغارة بوضوح [استمدّت النصوص الليتورجيّة الكثير من المعلومات من التراث المسيحي المكتوب والمتداوَل. وقد تكون بعض الكتب غير القانونيّة قد تكلّمت عن المغارة] ممّا يؤدّي إلى الاستنتاج بأنّ الولادة قد حدثت في إسطبل النزل الذي كان قائماً في مغارة. ومبيت الناس في الإسطبل ليس بأمر غريب عن عادات ذاك الزمان. أّذكر في طفولتي عدداً من البيوت القرويّة التي كانت غرفها ملاصقة تماماً لإسطبل حيوانات أهل البيت. لا بل أّذكر بيتاً زرته مرّة، وكنت قد صرت كاهناً، وكانت ثمّة "فتحة" في الحائط الفاصل بين غرفة الاستقبال والإسطبل، ورائحة الحيوانات في غرفة الجلوس تفوح بقوّة!
انتشرت ظاهرة إقامة المغارة في البيوت منذ فترة ليست ببعيدة. ويُعزى إلى فرنسيس الأسيزي، وهو قدّيس مشهور في الكنيسة اللاتينيّة، عاش في القرن الثاني عشر، إقامة أوّل تجسيم لمغارة الميلاد في أثناء رجوعه من بلاد الشرق. حلّ عيد الميلاد وما كان قد وصل إلى أخويّته، فأقام ذكرى العيد في إسطبل القرية التي وصلها عشيّة العيد، وكانت مغارة ميلاديّة حيّة، بمعنى أنّ حيواناتها ما كانت مجسّمات، بل حيوانات حيّة. فليس من المستبعد أن يكون رهبانه الذين جاؤوا إلى الشرق مع طلائع القرن السابع عشر قد نقلوا هذا التقليد الذي شاع بين الناس في القرن العشرين مع قدوم الانتداب الفرنسي.
أمّا وجود الثور والحمار تحديداً في الأيقونة، وكذلك في مجسّمات المغارة، فيعود إلى ما ذكره النبي إشعياء(1/3):"الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه، أمّا بنو إسرائيل فلا يعرفون، شعبي لا يفهم شيئاً". كذلك ورد ذكر وجودهما إلى جانب الطفل يسوع في بعض المخطوطات القديمة.
عُرف الثور والحمار بغبائهما قياساً بباقي الحيوانات، لكنّهما عندما يجوعان يتجّهان بالغريزة إلى صاحبهما الذي يقيتهما. يرمز الثور إلى اليهود، كونهم كانوا يقدّمون الثيران ذبائح لله، أمّا الحمار فإلى الأمم لأنّهم لم يكونوا قد عرفوا الله بعد. صورة الثور والحمار إلى جانب المذود دلالة على أنّ المسيح حياة وغذاء جميع البشر. وقد رأى بعض الآباء في المذود صورة كأس الإفخارستيّا.
أمّا المغارة السوداء والقماط الأبيض الذي يلفّ جسد المسيح الطفل في الأيقونة فهما إنباءٌ بالقبر والكفن الأبيض؛ المسيح يأتي ليخلّص البشر. ثمّة ترابط وثيق بين سرّ التجسّد وسرّ الفداء. وجه العذراء مريم المتأمّل والحزين إلى جانب وجه الطفل ذي الملامح الرجوليّة يؤكّدان على سرّ الفداء الذي يتجسّد المسيح لإتمامه. يقول المطران جورج خضر في هذا الترابط: "المسيح وُلد لا في مغارة بل على الصليب".
أمّا أمر خطبة مريم ليوسف فسبق أن شرحناه. نكتفي في هذه العجالة بالتذكير بأنّ الخطبة اليهوديّة آنذاك كانت بمثابة "كَتْبِ الكتاب" في الإسلام. لذلك يذكر الإنجيل بأنّ يوسف بعدما تأكّد من حبل مريم الإلهي "جاء بامرأته إلى بيته"، ما يعني أنّها لم تكن في بيته إلّا بعد أن عرف بحبلها وأكّد له ملاك الربّ أنّ حبلها من الروح القدس (متى 1/20).
دعوة العذراء مريم زوجة ً ليوسف، وإن كانت قانونيّاً سليمةً [بحسب الشرع] إلا أنّها تُغيِّب البعد الإلهي لعلاقتهما وتجعلهما في ذهن المستمع كأيّ زوج وزوجة. الأفضل البقاء على استعمال اللغة المسيحيّة التراثيّة بدعوته خطيبها، خاصّة وأنّ الإنجيل استعمل لفظة الخطبة:"كانت أمّه مريم مخطوبة ليوسف"(متّى 1/18).
في معرض تفنيده لضرورة خطبة مريم ليوسف، يعتبر القدّيس إيرونيموس (القرن الثاني) أنّ "الربّ سلّمها للبارّ يوسف لكي يجنّبها الرجم الذي تأمر الشريعة اليهوديّة بتنفيذه على الزانيات، ولكي يوجد من يعزّيها في أثناء هربها إلى مصر".


+المطران سابا اسبر+