أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

(القدّيس باسيليوس الكبير) (1)

لُقِّب القدّيس باسيليوس بالكبير بحقٍّ واستحقاقٍ، فقد كان كبيراً في كلّ شيء.

من يدرس سيرة حياتِه القصيرة والغنيّة وخدمتَه ومؤلّفاتِه وتعليمَه، يدرك كم أنّ كلمة كبيرٍ صغيرةٌ على وصف هذا الأسقف المميّز، باعتباره أسقفاً بذل المستحيلَ من أجل رفع سويّةِ شعبه الروحيّة والإنسانيّة والمادّيّة. ودافع، بكلّ ما أوتي من جهدٍ جبّارٍ، عن الإيمان القويم، وعلّمَ وفنّدَ الهرطقات وراسلَ الأساقفةَ في كلِّ مكانٍ وواجهَ المتنفّذين بشجاعةٍ نادرةٍ. وضعَ قوانين الحياةِ النسكيّة وكتَبَ في التربية والمجتمع وتفسير الكتاب المقدّس وتثبيت العقيدة المستقيمة والليتورجيا والقانون. كما تركَ لنا من رسائله فقط ثلاثمئة وخمس وستين رسالة! لذلك لا نستغرب أن يموت إنسانٌ بهذه الطاقة وهو صغير السنّ، لم يتجاوز التاسعة والأربعين من عمره.
ثمّة حوارٌ جرى بينه وبين ممثّل الإمبراطور يكشفُ المعدنَ النادرَ الذي قُدَّ منه هذا القدّيس العظيم.
ساندَ الإمبراطورُ الهرطقةَ الآريوسيّةَ بالقوّة ذاتِها التي حاربَ بها الكنيسةَ. وانتهجَ استمالةَ الأساقفة أو قتلَهم أو تشريدَهم والتنكيل بهم لكي يقضي على الكنيسة. فأتى الوالي إلى الأسقف باسيليوس يطلب منه الموالاةَ على حسابِ الإيمانِ القويمِ. أمام رفض القدّيس الصلب، هدّده الوالي بمصادرة أملاكه، فأجابه:
"المصادرةُ لا تهمُّ من لا يملك شيئاً، إلا إذا شئتَ أن تصادرَ ثوبي القديم وبعض الكتب، فهذه هي ثروتي كلُّها".
فهدَّده بالنفي، فكان جوابُه:
"والنفيُ لا أكترثُ به لأنّي لا أملك بيتاً ولا حقلاً. وأينما كنتُ في الدنيا فأنا في بيتي، أو بالحريّ في أرض الربّ. فأنا ضيفٌ في غربتي"
فهدَّده بالتعذيب والموت، فأجابه:
"التعذيبُ! ألا ترى كم أنّي شديدُ المرضِ ولن يصبرَ جسدي على التعذيب طويلاً، فضربةٌ واحدةٌ تميتني. وأمّا الموتُ فهو نعمةٌ لي لأنّه يبلغني عاجلاً إلى الله الذي أحيا له وإيّاه أخدمُ والذي لأجله قد أصبحتُ نصفَ ميتٍ، وإنّي لأتعجّلُ الوصولَ إليه".
فقال الوالي له: لم يجرؤ أسقفٌ من قبل أن يخاطبني بهذه اللهجة.
فأجابه القدّيس: "يبدو أنّك لم تقابلْ أسقفاً من قبل يا حضرة الوالي".
*******
حين أُعلنت المسيحيّةُ ديانةً رسميّةً وأُعطيت الكنيسةُ حقَّ الوجود العلني في أوائل القرن الرابع، وعتْ مسؤوليَّتها بخصوص تنظيم المجتمع وفقاً لمبادئ الإنجيل الشريف، فترتّبت عليها وعلى أساقفتها بخاصّةٍ مسؤوليّاتٌ جديدةٌ لتحويل حياة المجتمع من المنطق الوثني إلى منطق الإنجيل.
حملَ آباءُ الكنيسة لواءَ الدفاع عن المسيحيّة وشرحِ عقائدها وتحديدِها. في سعيهم هذا لم يكتفوا بالتعليم فقط بل قرنوه بالعمل والخدمة. وبرزَ بينهم من سَعَوا إلى تجسيد التعليم المسيحيّ في أرض الواقع وأنشأوا مؤسّساتٍ خَدَميّةٍ ساهمت، إلى جانب تأمين الخدمات لمستحقّيها، في تغيير أذهان المؤمنين. فرسخّوا بخدمتهم هذه المفاهيمَ المسيحيّةَ التي تخمّرتْ وأنتجتْ تغييراً جذريّاً في الفكر والقِيَمِ والأخلاق. كان القدّيس باسيليوس من أبرزهم، على الرغم من قِصَرِ سني حياتِه.
قد يُعيبُ بعضُ المنتقدين في زمننا على القدّيس باسيليوس وغيره من آباء الكنيسة أنّهم بَقَوا على الوعظ وما يُسمّى بالأعمال الخيريّة، وتالياً لم يحلّلوا جذورَ مشكلةِ الفقرِ ويعالجوها في سبيل تغييرِ بنيةِ المجتمع بطرحِ نظرياتٍ تؤسّسُ لنظامٍ سياسيٍّ يقضي على المشاكل من أساسها. غير أنَّ هؤلاء يَنْسَون أو يتناسون درجة الوعي الاجتماعي والسياسي الذي كان سائداً في مجتمع هذا الأب أو ذاك. إنّهم ينظرون في الأمر بمنظار زمننا وما وصلَ إليه من تطوّرٍ في الفكر الاجتماعي السياسيّ والفلسفيّ، فيجافون بموقفهم هذا المنطقَ ومسيرةَ تطوّرِ المفاهيمِ الإنسانيّةِ.
لقد عملتْ المسيحيّةُ في المجتمع كما يعملُ الخميرُ في العجين، فخمّرتْ بِطاقتها المجتمع من الداخل وهيّأتِ الطريقَ أمامَ تبنّي الناس للمفاهيم الإنسانيّة التي غيّرتِ النفوسَ والعقولَ وتالياً القيمَ والأنظمةَ والمجتمعات.
كان الحقُّ آنذاك للقوّة، التي تركّزتْ في الثروة وصارتْ هذه بدورها مفتاحاً سحريّاً لا يقفُ أمامَه بابٌ مغلقٌ. فَسَادَ الاستبدادُ في السلطة والاستغلالُ في المعاملة وكانت العبوديةُ نظاماً مقبولاً وكذلك التراتبيّةُ الطبقيّةُ بين البشر. تلك كانت الأوضاع حين صارتِ المسيحيّةُ ديانةً رسميّةً ومن ثمَّ الديانةُ السائدةُ.
******
تميّز فكرُ القدّيس باسيليوس بالتشديد على أهميّة الإنسان. فركّزَ في تعليمه على القيمة الذاتيّة السامية التي للشخص البشريّ أو "النبتة السماويّة" كما اعتاد أن يدعوه. إنّه مخلوقٌ على صورة الله وسيّدُ سائرِ خلائقِه ومسؤولٌ أمام الله.
انطلاقاً من صورة الله هذه رأى الإنسانَ أخاً للإنسان، وعضواً في الجماعة الإنسانيّة. تربطُ البشرَ علاقاتٌ اجتماعيّةٌ: علاقةُ الحاجةِ المتبادَلة والخدمةِ المتبادَلة. خلقهم الله جميعاً في طبيعةٍ واحدةٍ، فهم على صورة الله ومدعوون إلى الارتقاء إلى المثال الإلهي، وفيهم جميعاً النفحةُ الإلهيّةُ المحييّة. أمّا التمايزاتُ الموجودةُ بينهم من حيث المواهب والقدرات والوظائف، فإنّما من أجل خدمةِ الجماعةِ التي تكتملُ بتعدّدِ المواهبِ. لذلك فالمحبّةُ تاجُ العلاقاتِ كلِّها.
من هذه المفاهيم الكتابيّة، أقدمَ القدّيسُ باسيليوس على الاضطلاع برعاية شعبه روحيّاً واجتماعيّاً، وقام بشجاعةٍ نادرةٍ وحسٍّ مُرْهَفٍ بما تفرضه عليه مسؤوليّتُه الأسقفيّة، فسلّطَ أضواءَ الإنجيل الذي كان يعيش حسب مبادئه على بنية المجتمع الذي عاشَ فيه وعرفَ أوضاعَه وشريعةَ حياتِه بالتفصيل، فبدتْ له معالمُ الضعفِ ومكامنُ الفسادِ، ومواقعُ التناقضِ مع المفاهيم المسيحيّة للحياة، فجنّدَ القوى والطاقاتِ المتوفّرةِ لتقويم ما اعوجَّ وإصلاحِ ما فَسَدَ. فعالج القضايا التي كانت تطرحها حياة المجتمع آنذاك وأبدى آراءَه فيها.
سنلقي ضوءاً في هذه المقالات على أمرين نظر فيهما القدّيسُ باسيليوس وعالجهما على أساس تعليم الإنجيل ومعطياتِ عصرِه. إنّهما مشكلةُ الغنى والفقر المزمنةِ ومشكلةُ عدمِ المساواةِ بين أفراد المجتمع وأجناسِه، إذ كانتِ العبوديّةُ لا تزالُ موجودةً آنذاك.