أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

رأى القدّيسُ باسيليوس سببَ التفاوت الطبقيِّ في عدم توزيع الثروات بشكلٍ عادلٍ وسليم، وفي احتكارِ قسمٍ من الناس لخيرات الأرض وتقدماتِها.

قال في معرض تحليلهِ لمشكلة الفَقرِ والغِنى:
"نشأَ التفاوتُ بين الغنيّ والفقير من إيثاركَ تمتّعِكَ الشخصيّ على سعادة الآخرين، فكلّما زدتَ غنىً نقصتَ حبّاً".
واعتبرَ سببَ وجودِ الغِنى، عند الناس، الاستيلاءَ على الأملاك العامّة واعتبارَها ملكاً شخصيّاً لهم. في تحليله لنفسيّة الغَنيِّ البخيل، يقول على لسان الغنيّ:
"إلى من أُسيءُ إنْ أنا احتفظتُ بما أملكُ؟ ويجيبُه القدّيسُ:
"ولكنْ، قلْ لي، ما هي الخيراتُ التي تملُكُها حقّاً؟ من أين جئتَ بها؟ أنتَ أشبهَ بإنسانٍ جلسَ في المسرح، يريدُ منعَ الآخرين من الدخول، ويبغي التمتّعَ وحيداً بتمثيلٍ هو من حقِّ الجميع. كذلك الأغنياءُ يعلنون أنفسهم أسياداً على الأملاك العامّة التي استولوا عليها، لأنّهم جاؤوا أوّلاً..".
بعد أن يحلّلَ المشكلةَ، يتوجّهُ شطرَ تفسيرِ واقعِها. فالقدّيسُ باسيليوس الذي وزّعَ كلَّ ثروته، فهِمَ أنَّ الأرضَ لله وأنَّ الخيراتِ عطيّةٌ منه، ووجودَ الثروةِ في أيدي عددٍ من الناس إنّما لأمرٍ يريدُ الله منهم إتمامَه. فيقولُ مخاطباً الأغنياءَ:

"ألمْ تخرجْ عرياناً من بطن أمّك؟ ألنْ تعودَ إلى الأرض عرياناً؟ فمن أين أتاك مالُك الحالي؟ إنْ أجبتَ: "من الصدفِ"، كنتَ جاحداً ملحداً، لأنّك لا تعرفُ صنيعَ خالِقِك. وإن اعترفتَ أنّها هبةٌ من الله، قلْ لنا ما سببُ غناك؟ هل هو في ظلم الله الذي لم يقسم الثرواتِ بالتساوي بين الجميع؟ ... وإن قلتَ من الله، ففسّرْ لي سببَ عطيّتِهِ هذه...".
تلخّصُ آية المزمور: "للربّ الأرضُ بكمالها، المسكونةُ وكلُّ الساكنين فيها" موقفَ القدّيس باسيليوس من الثروة وخيرات الأرض ومذهبَه فيهما. لقد اعتبرَ الغِنى أمانةً من الله يضعُها عند بعضهم كي يوزّعوها بأمانةٍ على الآخرين. أو بمعنى آخر، كان يعتبرُ الغِنى وكالةً أوكلها اللهُ للغنيّ. وكان هو أوّلَ المنفّذين. فوزّعَ ثروتَه وقيمةَ أملاكِه الموروثةِ على المساكين. وعَلَّمَ:
"لقد أصبحتَ أيّها الإنسان الثريّ خادماً لله الكليّ الرحمة ووكيلاً له أمام إخوتِك في العبوديّة. فاحذرْ من أن تفكّرَ بأنَّ الخيراتِ هي لبطنك. فما في يديك احسِبْهُ غريباً عنك. هذه الخيراتُ تفتنك لفترة، ثمّ لا تلبثُ أن تتبخّرَ وتزولَ، لكنّك سوف تؤدّي عنها حساباً دقيقاً".
وضعَ إصبعَه على الجرح عندما علّمَ بأنّ وجودَ الغِنى دلالةٌ واضحةٌ على نقص المحبّة الذي يعاني منه البشرُ جميعاً. أدانَ الغنيَّ على نقص محبّتهِ، واعتبرَه خيانةً للمهمّة التي أوكلها الله إليه.
"لو كنتَ حفظتَ منذ صغرك وصيّةَ الحبِّ لقريبك، وساويتَ ما بينك وبين أخيك، لَمَا أمكن أن تكون لديك هذه الثروة الطائلة... فَمَن يحبُّ قريبه كنفسه لا يكونُ عنده أكثرُ من أخيه".
ذهبَ القدّيسُ باسيليوس بالمحبّة الإنجيليّة إلى الحدّ الأقصى، عندما اعتبرَ الغنيَّ سارقاً ولصّاً بسبب وجود الفقراء:
"من يجرّدْ رجلاً من ثيابه يُدعَ نَهَّاباً، ومن لا يكسو المسكين وهو يستطيع ذلك، هل يستحقُ اسماً آخرَ؟".
"أتأخذُ الأشياءَ الّتي أُعطيتَها لتكون حافظاً لها، وتجعلَها ملكاً لك؟... الخبزُ الّذي تحبسه عن الجياع هو لهم!. المعطفُ الّذي تحتفظُ به في خزانتك بعنايةٍ هو للعراة!. الحذاءُ الّذي يبلى في خزانتك هو للحفاة!. الفضّةَ الّتي تُخَبِّئُها في مكانٍ أمينٍ هي ملكُ من هو بحاجةٍ لها."
نشرَ هذا التعليم، وفي سبيل تطبيقه استعملَ كلَّ الطرق الممكنة في عصره، والموافِقة لروح الإنجيل، فهدمَ الحواجزَ وحطَّمَ السدودَ. نادى بإرادة الله وفسّرها؛ تَراه يوبّخ الأغنياءَ لظلمهم تارةً، ويعظُهُم ليخفّفوا من تعلّقهم بالمال والثروات تارةً أخرى:
"الثروةُ بطبيعتها سيّالة. إنّها كالسيل العارم، تلامسُ أصحابَها في مسيرتها، منتقلةً من الواحد إلى الآخر انتقالاً عَفْويّاً. وهي كالنهر المنحدر من عَلٍ، الذي يجاورُ الناسَ القائمين على ضفافه، وما أنْ يبلغَ إليهم حتّى ينأى عنهم. هكذا هي سرعة حركة المال، تجعلُ مكوثَه في أيدي الناس مقلقلاً وعابراً. هذا الحقل هو اليوم لك وغداً لغيرك وبعد غدٍ لآخر".
"لا تفكّرنَّ بأنّ منتوجاتِ حقولِك الوافرة معدّةٌ فقط لتلبية رغبات جشعك العارم. سوف يحاسبُك الربُّ على كلّ ذلك".
ومرّاتٍ كان يعرضُ وضعَ الفقراء أمامهم بشكل يحنّنُ فيه القلوب ويُدمعُ العيون، من أجل أن يُنمّي لديهم حسَّ المشاركة، منطلقاً في كلّ ذلك من حرصه على توطيد الإنجيل في مجتمعٍ لا يزالُ متأثراً بالمفاهيم القديمة، وواضعاً أمام عينيه هدفَ خلاصِ أبنائِه الفقراء منهم والأغنياء.
"ها قد قلتُ لك ما يناسبُ مصالحَكَ: إنْ تسمعْني، فلا حاجةَ إلى إيضاح الخيرات التي تنتظرك، وإلّا فهناك وعيدُ كتبٍ".

لم يكتفِ القديسُ باسيليوس بالتعليم والوعظ، وكانا فعّالَيْن، حتّى إن القديسَ غريغوريوس النزينزي قال في رثائه، حينما حلّـتِ المجاعةُ: "لم يكنْ له أن يُمطِرَ من السماء خبزاً، ولكنّه فعلَ ما يشبهُ ذلك. فلقد اختطَّ خطّةً وسارَ عليها. فبدأَ بفتحِ مخازن الأغنياء بقوّةِ وعظه الزاجرة".
أسّسَ مجتمعاً مصغّراً يحقّقُ فيه تعاليم الإنجيل، وتعاشُ فيه المحبّةُ، مجتمعاً نموذجاً للمجتمعات المنشودة، فبنى مدينةً كاملةً للمحبّة، فكانت "المدينةُ الباسيليّةُ".
أنشأَ أوّلاً مراكزَ محليّة بمثابة بيوتٍ للفقراء، وشجّعَ الأساقفةَ التابعين له على الاهتمام بها. وبعد ذلك استخلصَ من الإمبراطور أرضاً كبيرةً حول مدينة قيصريّة وبدأ العمل. فكانت الكنيسة تحتلُّ المركزَ الرئيسَ في المدينة، وتنتشرُ حولها الأبنيّةُ: بيتُ القدّيس الذي شاءَ أن يبقى بالقرب من مرضاه وفقرائه، ثمّ الأجنحةُ المخصّصةُ لجميع درجات الإكليروس، مرتّبةً ومزوّدةً بكلّ ما تقتضيه أصول الضيافة الحسنة، وفيها شقّةٌ محفوظةٌ لحاكم المقاطعة. تليها فنادقُ للمسافرين والحجّاج، ومأوىً للعجزة ومستشفى. أمّا البرصُ فكان لهم حيٌّ خاصٌّ بهم، وكذلك مساكنٌ للأطباء والصيادلة والموظّفين، ثمّ في درجة أخرى المستودعات الأرضيّة والإسطبلات وغيرها من اللوازم.
حورب القدّيسُ كثيراً واتُّهم بالعمل على تأسيس دولةٍ أخرى مستقلّةٍ عن حكّام الإمبراطوريّة. فما اهتمَّ، واستمرَّ اهتمامُه بالمدينة وتوسيعِها والدفاعِ عنها، وكتبَ رسالةً دفاعيّةً إلى الوالي. نقتطفُ منها المقطعَ التالي، مختتمين به هذا الفصل:
"اتُّهمنا بالإساءة إلى الدولة، لأنّنا بنينا كنيسة لله وألحقنا بها داراً للكاهن، وبعضَ المنازل لسكن خَدَمَةِ الهيكل. ويمكنُك إذا زرتها أن تقيمَ فيها أنت وحاشيتُك. فإلى من أسأنا بتشييدنا بعضَ الفنادق للغرباء والسُيّاح، وبإنشائنا مستشفىً لإيواء المرضى وعلاجهم؟ هل من شرٍّ في إقامة مسكنٍ للطبيب ومنازلَ للممرّضات والمستخدَمين، وإسطبلٍ للخيول؟ جميعُ هذا المؤسّسات تحتاجُ إلى من يقومُ بصيانتها من عمّالٍ ومراقبين، ما اقتضى بناءَ مشاغلَ ومساكنَ للجميع. وعلى كلّ حالٍ فإنّ هذه الأشياء جميعُها لَمِمّا يساعدُ على ازدهار تلك الناحية ولا بدّ من أن تزيد من شهرة الحاكم وكرامته".

#رجلٌ #فريدٌ
(القدّيس #باسيليوس الكبير)(2)