كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

احتلّ الإنسانُ المخلوق على صورة الله ومثاله قيمةً عليا عند #القدّيس_باسيليوس. فالمحبّة الإلهيّة التي تجسّدت في شخص الربّ يسوع المسيح وتجلّت في الصلب، من أجل خلاص هذا المخلوق الحبيب إلى قلب الله، لم تكن لتميِّز بين إنسان وآخر: بين غنيّ وفقير، أو عبد وحرّ، أو رجل وامرأة.
اهتمّ القدّيس باسيليوس بنفس الإنسان واعتبرها الأحقّ بالاهتمام والرعاية. يحتاج البشر إلى من يكسر لهم الخبز، لكنّهم بحاجة أكثر إلى من يكسر لهم خبز الربّ. لذلك ركّز في عظاته وتعليمه على خلاص النفس وتطهيرها وتنقيتها:
"فالنفسُ هي ذاتُنا، هي نحن وهي صورة الله فينا".
"انتبه لذاتك أي لنفسك فزيِّنها واعتنِ بها ونظّفها من الأدناس والعيوب، وجمّلها وزخرفها بحلى الفضيلة".
كذلك ميّز بين النفس وما قد يبدو مفيداً لها من جرّاء احتكاكها بالأمور الدنيويّة والماديّة.
"انتبهوا لأنفسكم، ليس لِما هو لكم ولا لِما يحيط بكم، وإنّما لأنفسكم بالذات، لأنّ ثمّة فرقاً بين هذه الأمور".
وعى القدّيس باسيليوس أنّ الشرّور بأكملها إنّما تخرج من القلب حسب ما قال الربّ. لذلك أراد في مجتمعه نفوساً طاهرة نقيّة، لأنّ صاحب النفس النقيّة هو القادر على تغيير مجتمعه وإحقاق الحقّ فيه والتعامل مع الآخرين باعتبارهم مساوين له أمام الله.

"الجميع متساوون. كلَّنا رفاقُ عبوديّة، إذ إنّنا خلائق الله وصنع يديه. فلا يعتبرنّ أيّ إنسان نفسه سيّداً على أخيه الإنسان الآخر، فيتعامل وإيّاه على هذا الأساس. لقد وُلدنا بالمسيح الأخ الأكبر الذي نتشوّق جميعاً لأن نحيا بقربه على مستوى واحد في عداد خرافه المختارة".
أمّا وجودُ أناسٍ أحرار وآخرين عبيد، فإنّما يعود إلى الظروف الاجتماعيّة أو السياسيّة أو البشريّة. تلك الظروف ظلمت فريقاً من البشر وأراحت فريقاً آخر على حساب الفريق الأوّل. فأرجع نشوء العبوديّة إلى أسباب ثلاثة: الحرب والفقر وضعف العقل والإرادة. وفي هذا، ردّ الأسبابَ المنشِئة للعبوديّة إلى الخطيئة البشريّة لا إلى الخالق الإلهي:
"لم تخلق الطبيعةُ قط عبيداً بين البشر. فهؤلاء إمّا أُخضعوا لنير العبوديّة، كما يحصل لأسرى الحرب، وإمّا بسبب فقرهم، كما حدث للمصريّين مع الفرعون، وإمّا نتيجةَ تفكير أبٍ حكيمٍ شاء أن يضع أولاده الفقراء الذين لا إرث لهم ولا معين تحت خدمة من هم أحسن حالاً منه وأكثر بحبوحة".
"فالذي لا يملك في ذاته المقدرة على حكم نفسه بسبب ضعف عقله وإرادته يجد في خضوعه للغير فائدة له".
*****
وأمّا بخصوص الرجل والمرأة فقد رأى الإنسان، أيّاً كان جنسه أو نوعه، صورة الله وممثّله في الكون. فالرجل والمرأة خُلقا من طبيعة واحدة، ومُنحا الروح ذاتها. أراد الله أن تكون المرأة قادرة على العمل بالفضيلة مثل الرجل تماماً، فهي قد خُلقت لا من لحم آدم بل من عظامه.
يقول على لسان #الشهيدة_جوليتا، في رثائها: "إنّنا من طينة الرجال نفسها... ومثلهم خُلقنا على صورة الله. نعم المرأة قادرة على العمل بالفضيلة كالرجال. هكذا أراد الخالق... لم يأخذ الله من لحم آدم فقط ليصنع حواء، وإنّما هي "عظم من عظامه" (تك2/23)".
ولأنّ قدّيسنا، باعتباره راعياً وأباً، أراد أن يثبّت أسساً راسخة للمجتمع المسيحي الناشئ، فإنّه كثيراً ما كان يتكلّم ويعظ ويعلّم عن الطبيعة الواحدة لكلٍّ من الرجل والمرأة، من دون أن يتعامى عن الخصائص المميِّزة لكلٍّ من الجنسين في الوقت ذاته.
"لماذا اختار الله النبيَّ رجلاً؟ هل يريد إبعاد المرأة عن غبطة المناداة بالطوبى؟ لا مطلقاً. فواحدةٌ هي الفضيلة عند الرجل والمرأة، بما أنّ خَلْقَهُما أُحيط بشرفٍ متساوٍ. اسمعوا سفر التكوين: "خلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم" (تك1/27). فبما أنّ طبيعتهما واحدة ولهما الأفعال نفسها، فمكافأتهما يجب أن تكون واحدة أيضاً".
كان هذا التعليم سابقاً لعصره. فها نحن بعد 1600 سنة من زمن القدّيس ولا زلنا نعاني في معظم البلدان من نظرة فوقيّة للرجل على المرأة.
*****
كذلك الأمر بخصوص الغنيّ والفقير. فبما أنّ طبيعة البشر واحدة، فمن الطبيعيّ ألّا يختلفا لا في التكوين البشري ولا في التركيب الإنساني. وما دفاعه الهائل عن الفقير والمظلوم وتوبيخه الجريء للغني الظالم، وعمله الدؤوب من أجل رفع مستوى الفقراء والبائسين، وخدمتهم بنفسه في زمن المجاعة، وسكناه في ما بينهم في مدينة المحبّة التي بناها، إلا براهين لا تقبل الجدل في أنّ قدّيسنا تطلّع إلى مجتمعٍ مسيحيّ حقيقيّ يقوم على أسس الإنجيل والعقيدة المسيحيّة، مجتمعٍ كلّ أفراده إخوة في الربّ وأبناء له.
لم يحلم بمجتمع كهذا، بل عمل كلّ ما في وسعه من أجل تحقيقه على الأرض. وما مدينة المحبّة سوى شاهد على هذا الأمر. ومن يطالع رسائله الثلاثمئة والستين يرى أنّ نصفها تقريباً كُتب إلى ولاة وحكّام من أجل التوسّط لرفع الضريبة عن سكّان منطقة ما وتخفيفها عن عمّال منجم هناك، واستعطافٍ لتوفير العمل لبائس ما...
فلو لم يكن القدّيس باسيليوس مقتنعاً تمام الاقتناع بوحدة الطبيعة البشريّة بين الغني والفقير لَمَا كان أعطى من وقته ومن جهده ما أعطاه في سبيل خدمة الفقراء.
يقول في إحدى كلماته الموجَّهة إلى الفقراء، مقَوِّياً معنوياتهم ومعزِّياً إيّاهم، ومذكِّراً بقيمتهم الإنسانيّة الشريفة:
"...ألستَ ابناً لله على صورته؟ افرح إذن فهذا يكفيك... وبما أنّك صورته، يمكنك أن تبلغ كرامة الملائكة ضمن حياة اجتماعيّة منظّمة... فالموت أُبيد وأمل القيامة انتعش وأبواب السموات انفتحت لك، فأصبح بإمكانك بلوغ المراتب الإلهيّة ودخول الملكوت".
ويتوجّه إلى الأغنياء داعياً إيّاهم إلى التخلّي عن المجد الباطل وإلى الزهد بالدنيويّات، ومذكِّراً بأنّ الجميعَ إلى الزوال ومصيرَ الأشخاص هو في اليوم الأخير.
"أيّها الغنيّ لماذا تترفّع بغناك وتفتخر بأمجاد أجدادك؟ أتفاخر بموطنك وتُسرَّ لحال جسدك وتفرح لشرفٍ زائل؟ انتبه لنفسك. تذكّر أنّك إنسانٌ مائت وأنّك "ترابٌ وإلى التراب تعود" (تك3/19)... انحَنِ وانظر إلى القبور، فهل تميّز بين عظام الفقراء والأغنياء، بين عظام العبيد والأسياد؟ .. افطنْ لذاتك إذن وتخلَّ عن التكبّر والبخل والقساوة".
على غرار غيره من آباء الكنيسة، يعيد القدّيس باسيليوس تناقضات المجتمعات البشريّة إلى الإنسان الذي جعلته الخطيئة قابلاً للعطب. هذا اللاهوت سيزداد وضوحاً مع الزمن ويرتبط بحدث #السقوط_الأوّل_من_الفردوس. لذلك نرى أنّ همّ آباء الكنيسة يتمركز في إعادة الإنسان إلى حالته الأولى، ما يجعله قادراً على تحقيق علامات الملكوت السماوي على الأرض. هذا هو لبّ عمل الكنيسة على الإنسان.


#رجلٌ #فريدٌ
(القدّيس باسيليوس الكبير)(3)