كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

#ذكرنا سابقاً أنّ القديس باسيليوس أنشأ مدينة المحبّة التي عُرِفَت في ما بعد باسمه "المدينة الباسيليّة" وصارت نموذجاً للكثير من المسيحيين الصالحين والمشاريع الكنسية. في ما يلي لمحة مختصرة عن سبب إنشائها وتفاصيل تكوينها وتسييرها، مأخوذة باختصار عن دراسة نشرها موقع الثالوث القدّوس في السنة الماضية.
وُضعت محبّة القدّيس "باسيليوس" للإحسان أمام الامتحان سنة 369، حين، بحسب تعبير صديقه "غريغوريوس"، "حصلت مجاعة كانت الأقسى في منطقة "كابادوكيا". وصف "غريغوريوس" كيف جمع القدّيس "باسيليوس" الفقراء ليطعمهم: "مقدّماً لهم خلاقين من الحساء، ولحماً". على أساس هذه المعلومة، يعتقد المؤرّخون أنّ القدّيس "باسيليوس" كان قد بنى على الأقلّ مطبخاً لإعداد الحساء سنة 369. لكنّ المجاعة كانت دافعاً له لتوسيع آفاق عمله الإحسانيّ. وإذ كان يرى الأغنياء يكدّسون أموالهم بينما يموت الفقراء من المرض والجوع، استعمل إنجيل القدّيس متّى ليبشّر بإصلاح جديد:
" أيّ جواب ستعطي القاضي، يا من تكسو الجدران، ولا تعطي كساءً للعريان؟ وتطهّم الجياد وتغضّ الطّرف عن أخٍ رثّ الثّوب. تترك الحبوب تعفِّن ولا تُطعم جائعاً. تطمر مالك وتهين المظلومين؟"
بهذه العظات ومثيلاتها، حثّ القدّيس "باسيليوس" الأغنياء على دعم مشاريعه للفقراء. دُعي عملُه "ثورة اجتماعيّة عظيمة"... تحدّث عن المراءاة والفساد والأنانيّة الجامحة الّتي وُجدت في مدينة قيصريّة القرن الرّابع. وهذه الثّورة الّتي ضمّت أوّل مستشفى في العالم، تأسّست على الفهم المسيحيّ للإحسان ومشاركة الخيرات مع الفقراء، خاصّة في أوقات الشّدّة.
ما هو ذلك المستشفى؟ ورد وصفٌ له في ثلاث رسائل للقدّيس "باسيليوس". في إحدى هذه الرّسائل، المؤرّخة حوالى سنة 372 والموجّهة إلى حاكم المنطقة، وصف القدّيس "باسيليوس" ثلاثة أبنية متعدّدة الطّوابق قائلًا: "عندنا كنيسة رائعة، وحولها بيوت للسّكن، أحد الطّوابق مفروز للأسقف، والطّوابق الأخرى مخصّصة للعاملين في الكنيسة، وهي موضوعة في تصرّفكم ومرافقيكم".
انطلاقاً من هذا الوصف، يبدو أنّ المكان واسع كفاية لاستقبال الحاكم وحاشيته! ويتابع: "ما الضّرر الّذي نسبّبه ببنائنا مكان لاستقبال الغرباء والتّخفيف عنهم سواء كانوا عابري سبيل أو محتاجين للعناية الطبّيّة، وبذا نكون قد وضعنا في تصرّف هؤلاء البشر سبلاً لمنحهم الرّاحة، من أطبّاء وممرّضين ووسائل نقل ومرافقة؟
ثمّ أوضح بعض التسهيلات الأخرى الموجودة في "المدينة الباسيليّة": "بيت للغرباء والمسافرين وجناح للعناية الطبّيّة المتخصّصة". وما يبدو لنا مرجعاً عابراً يشير إلى ما هو في الحقيقة عمل ضخم: الجميع (وخاصّة الفقراء) بإمكانهم أن يتلقّوا علاجاً طبّياً من أخصّائيين. ويتابع:
"على العاملين أن يُتقنوا اختصاصهم جيّداً... وقد أمنّا أبنية مناسبة لأعمالهم... مواد البناء جاهزة!".
هنا، يوضح القدّيس باسيليوس أنّ هذا الصرح الاجتماعيّ المميّز يؤمّن التّعليم لساكني "المدينة الباسيليّة"، يعلّم الجياع كيف يصطادون، لا فقط كيف يوزّعون الأسماك. ويختم بالقول إنّ أعمال بناء المجمع كانت تسير على قدم وساق سنة 372(تاريخ كتابة الرّسالة).
رسالتان أخريان، مؤرّختان كلاهما سنة 372، تشيران إلى أنّ المستشفى يعمل بشكل فعّال، وتحدّدان بالضّبط موقعه. يكتب القدّيس "باسيليوس" إلى صديقه القدّيس "أمفيلوخيوس" قائلاً:
"كنتُ، مؤخّراً، في قيصريّة، مستطلعاً أحوالها. لم أكن أستطيع أن أمكث في المدينة، فلجأتُ إلى المستشفى القريب، أو بيت الفقراء".

بهذا يحدّد القدّيس "باسيليوس" أنّ هذه المنشأة المخصّصة للمرضى والفقراء، تقع خارج "قيصريّة". في الحقيقة، عندما تهدّمت "قيصريّة" بعد قرون من ذلك، بقيت مدينة "باسيليوس" المحاذية لها مزدهرة، وهي اليوم مدينة "كايسيري" في "تركيّا" الحاليّة.
تجدر الإشارة إلى أنّ كلمة مستشفى(πτωχοτροφεῖον) باللّغة اليونانيّة، تشير إلى منشأة للعناية بالمرضى أو الفقراء أو الاثنين معاً: إذاً يُعنى مجمّع "باسيليوس" بالمرضى المحتاجين.
ويؤكّد على وجودِ وعملِ "المدينة الباسيليّة" ما ورد في رسالة أخرى إلى الأسقف القدّيس "أمفيلوخيوس"، مؤرّخة سنة 373: "تعالَ... لكي تُشَرِّفَ بحضوركَ كنيسة المستشفى (أو بيت الفقراء)". مجدّداً، تشير كلمة القدّيس "باسيليوس" إلى وجود كنيسة في المجمّع، تُعنى بالمرضى المعوزين. أن يدعو "باسيلوس" أسقفاً صديقاً لزيارتها، يعني أنّ بناءها قد كَمُل أو كاد.
لدينا إذاً براهين كافية تمكّننا من أن ندوّن تاريخ "المدينة الباسيلية" بدقّة. منذ المجاعة، يظهر أنّ منشأة ما (على الأقلّ مطبخ لإعداد الحساء) وجدت سنة 369. في العام 372 ، ضمّت المدينة فريقاً طبّياً متخصّصاً، وسنة 373 كانت جاهزة كفاية ليكون باستطاعتها أن تستقبل أسقفاً صديقاً. نعرف من عظة القدّيس "غريغوريوس" أنّ هذه "المدينة الجديدة" كانت تستقبل البُرص ومرضى آخرين ومسافرين وغرباء. تمّ تجهيزها بأطبّاء متخصّصين، وطاقم من الإكليروس يخدم الكنيسة المجاورة؛ ومن عبارة "كنز الأغنياء المشترك"، نستنتج أنّ الأغنياء كانوا يموّلون هذا الصّرح. أخيراً، من الممكن أن يكون في"المدينة الباسيلية" أيضاً بيوتٌ للأيتام، بناءً على طلب القدّيس "باسيليوس" من الرّهبان الاعتناء بالأيتام. على الأرجح كانوا ممّن يتلقّون التعليم المجّاني. إجمالاً، كانت "المدينة الباسيلية" عملاً اجتماعيّاً جبّاراً.
لكنْ، هل كانت"المدينة الباسيلية" أسطورة؟ ما هو أوّل مستشفى في التّاريخ حقّاً؟ قارنَ المؤرّخون"المدينة الباسيلية" بمؤسّسات سابقة لها كانت تُعنى بالمرضى. مثلاً "الفاليتوديناريا" الرّومانيّة ومعابد "إسكلابيوس" سبقت "المدينة الباسيلية" وكانت من دون شكّ تهتمّ بالمرضى. لكن هل كانت مستشفيات حقّانيّة؟ بحسب "أندرو كريسليب"، على المستشفى أن يتميّز بثلاثة مؤهّلات: مرافق لاستقبال المرضى، فريق مؤهّل للاعتناء بهم وتقديم المساعدة مجّاناً. انتشرت "الفالاتوديناريا" في كلّ أنحاء الإمبراطوريّة، وكانت مجمّعات بُنيت لتطبيب العبيد والجنود المرضى أو المجروحين. وكانت مموّلة إمّا من أثرياء يملكون عبيداً أو من جنود محاربين. لكنّها لم تكن تشمل الفقراء الّذين كانوا، بشكل عام، نادراً ما يتلقّون المساعدة.
على هذا النّحو، انتشرت معابد "اسكلابيوس"، المكرّسة لإله الطبّ اليونانية - الرّوماني، وقد اعتُبرت سابقة فعليّة للـ"المدينة الباسيلية"، لكنّ الخدمات الطبيّة الدّينيّة الّتي تقدّم في هذه المعابد لم تكن مجّانيّة: كان من المفروض تقديم الأضاحي أو الهبات بالمقابل. بالإضافة إلى أنّ هذه المعابد نادراً ما تضمّ أطبّاء متخصّصين، ولم تكن تقبل الحالات المستعصية، فالمريض الّذي يموت داخل المعبد يُعتبر نجاسة بحسب التّقليد. بالنّتيجة، لم تكن هذه المؤسّسات السّابقة للـ"المدينة الباسيلية" تؤدّي الدّور عينه.
من الواضح أنّ القدّيس "باسيليوس" دشّن اتّجاهاً جديداً. فبعد رقاده بقليل، ازدهرت مستشفيات مماثلة في أماكن أخرى من المملكة، وأصبحت مألوفة خلال قرن من الزّمن. لذلك خَلُصَ المؤرّخون إلى القول إنّ "المستشفيات، بالأصل والمبدأ، هي مؤسّسات مسيحيّة مميّزة".
استناداً إلى النّصوص الأصليّة، استطعنا تكوين فكرة واضحة عن "المدينة الباسيلية"، وعن أوّل مستشفى حقيقيّ في التّاريخ. لقد بُنيت بإلهامِ تعليمٍ مسيحيّ اجتماعيّ، بسبب المجاعة. وكانت فاتحة لإنشاء مثيلات لها في كلّ أنحاء المملكة؛ فأصبحت بذلك نقطة تحوّل هامّة في تاريخ الطبّ. فالمجد لله على كلّ شيء!


#رجلٌ #فريدٌ
(القدّيس باسيليوس الكبير) (4)