أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

تختلف المعرفة الروحيّة عن المعرفة الدينيّة اختلافاً بَيِّناً. فالمعرفة الدينيّة معرفة معلومات عن الدين وشؤونه. إنّها معرفة عقليّة بحت،

تختزن علوماً ومعلومات في العقل البشريّ. لاجتهاد المرء وذكائه دور عظيم في امتلاكها. تجد اليوم مختصّين بالشؤون الدينيّة على مستوى أكاديميّ أو معرفي رفيع، قد لا تقترن معرفتهم الواسعة بالضرورة بالمعرفة الروحيّة. باتت الديانات علوماً إنسانيّة تُدرَّس في الجامعات، بغضّ النظر عن الإيمان بها. يوجد بين الدارسين والساعين إلى المعرفة الدينيّة مؤمنون ولا شكّ، لكنّ الانتساب إلى الدراسة الأكاديميّة أو طلب التحصيل المعرفيّ الشخصيّ لا يقترنان بالضرورة بالإيمان عند الجميع.
أمّا المعرفة الروحيّة فهي معرفة مؤسّسة على اختبار إيمانيّ، وعلى علاقة شخصيّة بالله. تُغيِّر عِشرةُ الله الإنسانَ من الداخل وتطهّره وتقوده في درب التشبّه بالله والتمثّل به، ما أمكن. فيُضحي عارفاً بالله انطلاقاً من عمل الروح القدس فيه، من فعل النعمة الإلهيّة، من يقظة مستمرّة تجعله واعياً لحضور الله في حياته. عشرة الله المطوِّرة والمنمّية له تجعله منفتحاً على النعمة الإلهيّة بشكل دائم، وتالياً قادراً على تحسّس الإلهيّات والتجاوب معها. المعرفة الروحيّة معرفة كيانيّة لا عقليّة فقط.
ثمّة روابط مشتركة بين المعرفتين، وكذلك افتراقات في الوقت ذاته. العقل مركز الأولى، بينما القلب مركز الثانية؛ والقلب، في المفهوم المسيحي، هو لبّ الكيان البشريّ. عندما يستنير القلب يخضع العقل للمعرفة الروحيّة ويغنيها بعلمه وعلومه ومعلوماته، ويمتلك المرء القدرة على التعبير عن المعرفة الروحيّة بقدر ما تملك اللغة البشريّة من قدرة على التعبير.
انفتاح الإنسان على عشرة الله ومحبّته ومعرفته كما هو في الحقيقة، هو جوهر المعرفة الروحيّة والدرب إليها في الوقت ذاته. لا يعرف الإنسان الله ما لم يختبر حضوره فيه ومعه.
من لا ينفتح على الله يبقَ محدوداً بما يعرفه عنه، أمّا معرفته شخصيّاً فتطلق الإنسان إلى أمداء واسعة جدّاً. تحتاج عشرة الله إلى انتهاج طريقة حياة تتوافق والإلهيّات، وإلا فيكون الله الذي يعتقد به الإنسان غير المستنير، نتاجَ فكره أو مخيّلته أو ما يتناسب وشخصيّته، إن لم نقل وأهواءه وشهواته. ليس الله نتاجاً بشريّاً، ولو أن تجربة الإنسان الدائمة كامنةٌ في صنع إله يناسب أهواءه. أنت لا تعرف الله إلا إذا استنرت بنوره الإلهيّ. خارج الاستنارة أنت تعرفه في المستنيرين، في أفضل الأحوال.
المكتفي بذاته إنسان لا يشعر بحاجة إلى أكثر ممّا هو عليه. الساعي وراء دنيويّات وقتيّة والأسير لشهوات الدنيا الزائلة وخلاباتها إنسان عاجز عن الانفتاح على النعمة الإلهيّة.
يجدُ اللهَ من يدرك حاجته إلى الأسمى والأنقى والأفضل، الإنسان الذي يطلب الملء، ولا يكتفي بما عنده من أمور أرضيّة حسنة وصالحة. يكتشفُ اللهَ من يسأل مع الشابّ الغنيّ: "ماذا أفعل يا سيّد لأرثَ الحياة الأبديّة؟"، ويتخلّى عن غناه الظاهريّ ليحصل على الغنى الكيانيّ والحقيقيّ.
في هذا المجال، يروي القدّيس سلوان الآثوسيّ قصّةً في غاية الجمال والتعبير. إليكموها:
"كان نسرٌ يحلّق في الأعالي، وهو فرِحٌ بجمال الكون، ومتفكّر: "إنّني أحلّق فوق أمداء واسعة جدّاً، وأشاهد ودياناً وجبالاً، بحاراً وأنهاراً، مراعي وغابات، وعدداً كبيراً من الحيوانات والعصافير وقرىً ومدناً، وأرى كيف يعيش البشر. لكن الديك، في القرية، لا يعرف شيئاً غير حدود مزرعته، حيث يعيش؛ ولا يرى إلا بعض الناس والحيوانات. سأّذهب إليه وأخبره عن حياة العالم".
وطار النسر، ليحطّ على قرميد سقف المزرعة، ويرى الديك يتنزّه، بجرأة وفرح، وسط دجاجاته. فراح يفكّر قائلاً: "أتراه يكتفي بما عنده!...لكن على الرغم من كلّ شيء سأخبره بما أعرف".
وأخذ النسر يحدّث الديك عن جمال العالم وغناه. في البداية، أصغى الديك بانتباه. لكنّه لم يفهم شيئاً. وإذ لاحظ النسر أنّ الديك لا يفقه شيئاً، حزن وصار الحديث مع الديك متعباً بالنسبة إليه. والديك، من جهته، إذ لم يكن يفهم ما كان يرويه له النسر، ضجر وتعب من سماع حكايات النسر... لكنّ كلّاً منهما ظلّ فرِحاً بمصيره.
هذا ما يحدث، حين يتحدّث الإنسان المثقّف إلى الإنسان الجاهل. وبالأحرى، هذا ما يحدث عندما يكلّم الإنسان الروحيّ الإنسان غير الروحيّ أو المادّيّ. الإنسان الروحانيّ يشبه النسر، أمّا غير الروحاني فيشبه الديك. نفس الأوّل تتعلّم، ليل نهار، من الأحكام الإلهيّة، وترتقي إلى الله بالصلاة؛ ونفس الثاني مرتبطة أبداً بالدنيويّات أو مضطربة ب "الأفكار" والهواجس. روح الأوّل تنعم أبداً بالسلام؛ ونفس الثاني تبقى فارغة ويائسة ومشتّتة. الإنسان الروحانيّ يطير محلِّقاً كالنسر في الأعالي، ويشعر في روحه، بحضرة الله، ويعاين الكون كلّه، حتّى وهو يصلّي في حلكة الليل. أمّا الإنسان غير الروحانيّ، فيفرح بالعُجْب والكبرياء أو بالغنى أو يسعى باحثاً عن الملذّات الجسديّة. وحين يتلاقى الروحانيّ وغير الروحانيّ يسأم كلّ منهما من الآخر، ويصبح التواصل بينهما متعباً".
أليس هذا ما يحدث عندما يتحدّث فهيم مع جاهل، أو روحانيّ مع دنيويّ، أو واسع الإدراك مع ضَيّق الأفق؟ وقِسْ على ذلك!