كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين



لماذا يخشى الإنسانُ الموتَ وتعليمنا الروحي يعتبر ذكر الموت فضيلة أساسيّة؟ أو بالأخصّ لماذا يخشى المؤمنُ بالقيامة الموتَ؟ لست في معرض تحليل نفسيّ لهذه الظاهرة، هذا أتركه للاختصاصيين. أكتفي بالتذكير بالبعد الإيماني في هذا المجال. فأسباب الخشية من الموت والخوف من مواجهته كثيرة.
إذا كان المؤمن يخشى الموت لأنّه يرى فيه المجهول، فثمّة أزمة إيمانيّة عنده. لا يبدو، في الواقع، أنّ كلّ من يردّد في دستور الإيمان: "وأترجّى قيامة الموتى، والحياة في الدهر الآتي"، مدركاً لماهية الحياة الأبديّة، أو لكونه يحيا على وَقْعِها. الموقف الشائع أمام الموت يحمل، أقلّه، تعاطياً معه يحملك على الشكّ بغياب الإيمان الحقّ بالقيامة والحياة الأبديّة.
أن تقول مع أيوب الصدّيق: "الربّ أعطى والربّ أخذ. ليكن اسم الربّ مبارَكاً" (أيو21/1)، موقفٌ لا يبدو أن الكثرة قادرة على تبنّيه. يندر أن تجد من يتعاطى مع الذي فارقه باعتباره إنساناً يخصّ الله أكثر ممّا يخصّه هو! وإذا ما سمعتَ كلاماً إيمانيّاً في وسط العزاء، فلا تعرف إن كان من القلب أو من الشفاه أو بحكم العادة!
قد يكون الخوف من الالتحاق بالحياة الأبديّة مردّه التعلّق العاطفيّ بالحياة الأرضيّة والأحباب والأولاد وما إلى ذلك، وقد يكون أيضاً عدم الإيمان الفعلي الكافي بالحياة الأبديّة. لكن نسيان الحياة الأبدية في غمرة عيش الحياة الأرضيّة سبب رئيس وأساسيّ.
يحيا المؤمن حياته على الأرض مَعْبَراً، درباً، سبيلاً إلى الحياة الأبديّة. يحفظ الوصايا، يحبّ الربّ والبشر والخليقة، يهذّب ذاته ويطهّرها، يتمثّل بالله بما أوتي من قوّة ونعمة، وذلك لكي يربح الحياة الأبديّة. يجاهد ما بوسعه لكي يذوقها منذ الآن. هكذا يختبر شيئاً منها في حياته ههنا. آنذاك تشدّه هذه الخبرة إلى الحياة مع الله وتحرّره من الكثير من الرباطات الدنيويّة التي تعيقه.
هذا الكلام معروف عند المؤمنين، لكن الأهمّ هو عيشه حقّاً. أكتفي بالإشارة هنا إلى أهميّة عيش الإيمان بأصالته، أي في عمقه. الاكتفاء ببعض واجبات تريح الضمير يحكم على الإنسان بالبقاء خارج الحياة الحقّة. عيش الإيمان من دون علاقة محبّة حيّة تطلب التمثّل بالله والاقتداء به، تُبقي الإنسان على ممارسة شعائر وفرائض لا تضرم نار الحياة فيه.
هل يصوغ الإيمانُ الحياةَ وهدفها ومعناها ونمطها، أم هو يضيف إليها لوناً إلى جانب ألوان أخرى؟ إن كان هو مُسَيِّر حياة المؤمن فهذا يعني أنّ المؤمن إنسان يتطوّر باستمرار. إنّه يتجدّد كلّ يوم عن اليوم الذي سبقه. أن يبقى المؤمن على ما فيه من أهواء ونقائص وعيوب وأخطاء، أن يبقى على ما هو فيه، لا ينمو روحيّاً وأخلاقيّاً وسلوكيّاً، أن تبقى جذور الرذائل وتعبيراتها هي هي فيه لسنين وسنين، فهذا يعني أنّ النعمة الإلهيّة لا تفعل فيه، وأنّه يمارس إيمانه على سبيل العادة، وتالياً لا يفتح قلبه للنعمة.
لا أفهم مؤمناً لا يراجع نفسه على الدوام. أفهم أنّه يراجع نفسه ولا يحرز تقدماً دائماً، أو يستصعب التحرّر من رذيلة ما، ولكن أن يقبل ذاته كما هي فلا يرى في ذاته عيباً أو نقصاً، لعمري فهو أمر يدعو إلى الرثاء.
الإنسان كيان واحد، وكلّ شيء فيه يؤثّر بطريقة أو بأخرى في الأشياء الأخرى.
هل ترى حياتك في المسيح حقّاً؟ إذن ترى في الموت انطلاقاً إلى مصدر حياتك مباشرة ولقاءً دائماً معه. هذا لا يعتقك من عاطفة إنسانيّة مبارَكة، ولا يمنع دموعاً صادقة عندك من الانهمار، ولا شعوراً بالحزن على فراق من تحبّه. والكتاب لم يوصِنا، على لسان الرسول بولس، بالتخلّي عن العاطفة والمشاعر ودفء العلاقات الإنسانيّة، بل طلب منّا ألّا نجعلها تقتل الرجاء فينا، وتالياً تقتلنا نحن، عندما طلب ألّا "نحزن كباقي الناس الذين لا رجاء لهم"(2تي13/4).
لا تتنكّر لإنسانيّتك أمام الموت، لكنّك لا تنسى الرجاء بالقيامة والحياة الأبديّة بالمقابل، ولا تنسى محبّة الله لك وثقتك بأنّه لا يمنع شيئاً من الحدوث إلّا ليُخرج منه شيئاً حسناً وخلاصيّاً لك ولغيرك. العزاء الحقيقي بالله وحده. كلمات المجاملة في مناسبات العزاء لا تقدّم ولا تؤخر لأنّها لا تلمس النفس. رجاء القيامة وحده العزاء الحقيقي للإنسان المخلوق للحياة.
إن أردت أن تعزّي حقّاً، ساعد صاحب العزاء لكي يجد التعزية الحقيقيّة، وذلك في بثّ الرجاء بالحياة الأبديّة فيه. تراثنا وحاضرنا مليء بأحداث وقصص واقعيّة تقوّي النفس وتفتح طاقة الرجاء وتؤكّد القيامة ومحبّة الله لنا على الرغم من أيّ كارثة قد تصيبنا. ساعده كي يحوّل الضربة التي أصابته إلى خير، على قول الرسول بولس: "كلّ شيء يؤول للخير للذين يحبّون الله" (رو8/28).
هذا يحتاج إلى امتلائك بالتعاطف الصادق مع الحزين. لا تعظه. هو بحاجة إلى من يعضده فعلاً، ويمنعه كربُه من تقبل الوعظ الجافّ. هذا وقت التعاطف والمشاركة، إن شاركته في معاناته فعيناك تتكلّمان أكثر من لسانك.
لتكن القيامة مسرى حياتك، لا عيداً ليوم واحد في السنة فقط. إن عشت إيمانك بهذه الروح القياميّة تلقى الحياة وتنقلها للآخرين.